الأخ الأكبر بين الوصاية الحانية والسلطة المزعجة

الأخ الأكبر بين الوصاية الحانية والسلطة المزعجة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تسلط الأخ الأكبر على أشقائه واحدة من أبرز المشاكل التي تعاني منها العديد من الأسر العربية، هذه المشكلة التي تستند في نشأتها إلى كون الذكر يأتي في المرتبة الأولى تليه الأنثى، والرجل أعقل وأقوى، وأفضل من المرأة. والذكر يجب أن يفرض سلطته على أخواته.

وفي ظل انشغال الأب ومباركته لما يقوم به ابنه الأكبر نجد أن الفتيات هن أكثر من يعانين من تسلط الأخ، فلا خيار أمامهن في ظل انشغال الأب ومباركته لهذه الهيمنة إلا الإذعان لأوامر الأخ الذي يملك مقومات لا تملكها الفتاة كالقوة الجسمانية والضوء الأخضر من المجتمع الذي يمنح الذكور حضوراً قوياً مهما كانت إمكانياته العقلية والنفسية، ويفرض الانزواء على الفتاة بغض النظر عن إمكانياتها التي قد تتفوق فيها على الرجل، والمشكلة أن الأب يوكل مهمة إدارة شؤون المنزل للابن دون أن يضع في حسبانه أهليته على ذلك ومدى سلوكياته مع إخوته وهل يستحق الصلاحيات التي تمنح له أم لا؟.

الاختصاصية النفسية خيرية حافظ قالت إن الأخ الأكبر في الأسرة العربية هو البديل الأول للأب وهو غالباً ما يحل في حالة غيابه وبذلك يتسلح بسلطات الأب القوية على إخوانه وأخواته وغالبا ما يكون متسلطا عدوانيا يطلب من الجميع احترامه ويلعب طوال الوقت دورا ليس بدوره ويأخذ الآراء في قضايا لا يستطيع أن يحسمها ويرى قراراته وأوامره ناهية مقدسة يجب أن تنفذ.

مشيرة إلى أن أكثر من يتعرض للإصابة بالأذى من تسلط الأخ الأكبر الفتاة خاصة إذا كانت اصغر منه سنا لذا نجده يتحكم بالفتيات الضعيفات، في خروجهن وملبسهن وفي كل الأمور الخاصة لدرجة تصل إلى إلغاء وجود الأب والأم لذا نجد في معظم المنازل والأسر بأن الكلمة ليست للأب أو الأم بل للأخ الأكبر وبالتالي ينتج عن ذلك اضطرابات نفسية داخل الأسرة واختلاط في الأدوار ونجد الفتاة دائما مترددة وتشعر بالخوف من الرجال نتيجة سوء معاملة الأخ الأكبر وتسلطه عليها مما يجعلها تفقد الثقة.

وتضيف الأخصائية في ورقة عمل خصصت لملتقى المجلس الأعلى للأسرة في الشارقة بأن الوالدين باهتمامهما بالابن الأكبر وإعطائه الأهمية على باقي إخوانه والصلاحية التي تمنح له يمنحانه انطباعا بأن يكون المصلح والمرشد لبقية إخوانه وفي بعض الأحيان المتسلط العنيد لذلك لابد من تكافؤ المعاملة بين الجميع وان يكون الاحترام متبادلا بين الأخوة لأنه يحقق التقارب ويشجعهم على التعبير عن آرائهم وما يجول في خواطرهم فلا يشعر احدهم بأن واحدا منهم مفضلا على الآخر.

مصدر السلطات

الدكتور ممدوح مختار استشاري العلاج النفسي يفسر في ورقة العمل ذاتها ظاهرة تسلط الأخ على أخته وان كانت تكبره بسنوات أو كانت متعلمة تعليماً أعلى من تعليمه وأرقى منه باضطراب في محيط العلاقات الإنسانية والأسرية ولان الأب هو مصدر السلطات وهو الذي بيده إمكانيات الثواب والعقاب والتسلط في بعض الأحيان نرى أن ذلك واجبا يساعده ابنه في ذلك الأمر متكئا على القبول من طرف الأب ضمن قائمة من الشروط والإجراءات لعل اقلها موافقة الأب على أن يمارس ابنه هذا السلوك وموافقة البنت وتقبلها لهذه الممارسة.

مشيرا إلى انه في حال غياب الوالدين نجد أن الأخ يتسلط ويرغب في السيطرة على أخته وهنا تكون المشكلة مضاعفة، فالأب والأم ربما يرفضا قيام الابن بهذا السلوك ومعهم بالطبع الفتاة ووجود خلافات وتباينات بين كل من الأخ والأخت يصل في معظم الأحيان لصالح الأخت وبالتالي فالأخ المتسلط في هذا السياق يتسم بالأنانية والمصلحة الشخصية وعدم الثقة بالنفس والنقص الشديد في الإمكانيات وان كان متعلما فهو غير مثقف ويرغب في السيطرة على الآخرين ويمارس عنفه البدني والفكري عليهم.

وذكر أن علماء النفس يتصورون أن هذا الشخص هو في حاجة ماسة لعلاج نفسي وعلاج معرفي فالعلاج النفسي لإعادة الثقة بالنفس وبث روح الطمأنينة إلى ذاته وتأقلمه وقبوله للآخر والعلاج المعرفي لإعادة برمجة أهدافه ومشاعره وأفكاره من جديد وحثه على الاستبصار وفهم نفسيات الآخرين بين المتعاملين معه ويستمر العلاج في العادة ما بين ثماني جلسات إلى اثني عشر جلسة بواقع جلسة أسبوعيا على أن يكون العلاج كله برضا .

وطلب من الشخص الذي يعاني من هذه الاضطرابات، وأوضح أن أهم مرحلة قبل الولوج إلى مرحلة ورحلة العلاج هو التشخيص الذي يأتي غالبا للوقوف على الأسباب الحقيقية التي تفسر لماذا هذا التصرف كما يمكن القول كذلك أن الأهل هم الذين بحوزتهم مفاتيح تحويل الحالة طلبا للعلاج كما أنهم هم المساعدون الأوائل في سبيل العلاج.

مشددا على أن الصلاحيات المطلقة التي يمنحها الآباء للابن الأكبر أتاحت المجال لكثير من هؤلاء الأبناء ممارسة العنف الجسدي مع إخوتهم من خلال الاعتداء بالضرب والإهانة على كل من يقف في وجههم أو يخالف لهم رأيا وربما قد يستغل الابن الأكبر الصلاحيات ليمارس سلوكيات قد تضر إخوته مما قد يتسبب في لجوء بعض الأبناء إلى الهرب من المنزل لينجو بنفسه من سلطة الأخ الذي تجاوز الحدود في تصرفاته.

وأكد أن ليس كل الأخوة يتصرفون مع إخوتهم بهذا الشكل المخيف لكن نسبة كبيرة جدا يستغلون الصلاحيات الممنوحة استغلالا خاطئا يضر بإخوتهم ويهدد مستقبلهم ويسلبهم حرياتهم. وأشار إلى أن المشاكل التي يواجهها الأبناء سواء كانت نفسية اجتماعية هي مشاكل تنبع من بيئتهم الأسرية التي يحتاج فيها الأبوان إلى احتواء أبنائهم والتقرب منهم وتلبية احتياجاتهم دون تنصيب احد عليهم وهو لا يملك الأهلية الكافية للقيام بمهمة الأبناء.

لطيفة خميس الكتبي الاختصاصية الاجتماعية أكدت أن تسلط الأخ الأكبر رغم تقلصها من ظاهرة إلى حالات فردية تكثر أو تقل بحسب ارتباط المجتمعات العربية بعاداتها وقيمها وتقاليدها، لافتة إلى أن الأخ يعتقد خطأ انه يحمي شقيقته من الإقدام على ارتكاب أي خطا فيمارس عليها العديد من الضغوط غير آبه بالنتائج السلبية التي تنتج عن ذلك، مؤكدة ان الحل لدى الوالدين عبر ترسيخهما لمفهوم الاحترام المتبادل والتحاور بين الأخوة والعودة في النهاية إلى احد الوالدين.

شواهد

نوال تبلغ من العمر ثمانية عشر عاما وتجد من الغريب أن يناصر أبواها شقيقها الذي يصغرها بخمس سنوات من منطلق انه رجل وعليها أن تطيع ما يقوله حتى وان كان خاطئا، مشيرة إلى أنه يتدخل في لباسها ويملي عليها شروطه في حين ترى أن تدخله غير منطقي أو سليم. و قالت إن الكثير من الخلافات تنشب نتيجة التدخل غير السليم، مضيفة أن كونه ذكراً لا يعني ذلك أن له أحقية في فرض آرائه التي من وجهة نظرها تكون في العادة قاصرة وتمتاز بالتعنت والعصبية.

الوالدة ترى عكس ذلك وهي للعلم تحمل شهادة الماجستير في اللغة الانجليزية فمسألة إعطاء الابن البكر حيزاً في المنزل يهيئه ليكون رجلا في المستقبل خاصة الأخ الذي يكون وحيدا لأن عليه أن يدرك أن لديه مميزات مختلفة عن تلك التي تمنح للفتيات، مشيرة إلى انه يجب آن تكون هناك رقابة ووعي في التعامل مع هذه المفردات إضافة إلى توجيه الابن الأكبر نحو الصواب وتبصيره وإقناعه بأنه الحامي لإخوته في ظل غياب الأب.

نورا الأمير

طباعة Email