عندما يقول لنا مصدر حكومي رسمي في «وزارة العمل» إن احصائياتها التي اجرتها على 645 شركة «طبعاً أتصور هذه عينة لأن أعداد الشركات تزيد على هذا الرقم بكثير» عدد موظفيها 396 ألفاً و915 عاملاً ليس بينهم سوى 4135 مواطناً فقط بما يعني أن نسبة التوطين في هذه الشركات 04 .1% فقط. من الضروري أن نتوقف عندها مباشرة.. لأن هذه النسبة لابد أن تطرح العديد من الأسئلة في مقدمتها: ما طبيعة المهن التي يشغلها هؤلاء المواطنون؟
وما سبب تدني نسبة التوطين في هذه الشركات إلى درجة لا أقول ضئيلة بل خجولة وعلى رأي إخواننا المصريين «حاجة تكسف والله»؟
خاصة وأن طبيعة هذه الشركات أنها شركات ذات نفوذ قوي جداً وذات تأثير على النسيج الاجتماعي للمجتمع، في الوقت نفسه تمثل هذه الشركات قمما عملاقة تلعب دوراً فاعلاً في بنية الاقتصاد الإماراتي..
وبالتالي يجب على هذه الشركات أن تجيب عن سؤال مهم وجوهري.. لماذا هذا التدني الفاقع في التوطين، هل يرجع سبب ذلك إلى المواطن أم إلى هذه الشركات. ثم جانب آخر مهم يجب أن تعيه هذه الشركات وهو أين المسؤولية الاجتماعية التي يجب الالتزام بها والتي أكدت عليها الخطة الاستراتيجية لحكومة دبي.. فعندما تعين شركة عملاقة عدد موظفيها يربو على الآلاف عدداً من المواطنين لا يملأون الكفين.
نأمل ألا تعتبر هذه الشركات أن قيامها بالتوطين هي صدقة تقدمها لمجتمع الإمارات ولا أن تعلن ذلك من أجل كسر عيون بعض المسؤولين مقابل حصولها على امتيازات معينة.. لا.. هذه المنة لا نقبلها ولا يقبلها أي مجتمع.. ومما يفاقم من درجة المسؤولية التي يجب على هذه الشركات القيام بها أن كثيراً من الشركات التي أعلنت عنها وزارة العمل هي شركات وطنية أو جزء كبير منها مملوكة لمواطنين..
ولكن للأسف هذه الشركات تنظر إلى رنين الدرهم أكثر من نظرتها لواجبها الاجتماعي تجاه البيئة والمجتمع الذي تعيش فيه.. وقد صدمت في مرات كثيرة تطلبت مني ظروف ما أن أمر على بعض هذه الشركات ـ وأعني بها الشركات المواطنة بالذات ـ لا أقول إن العنصر المواطن كان أندر من الكبريت الأحمر.. لأني بذلك أكون شاهد زور ولكن الأمر أشد من ذلك.. وفقدان العنصر المواطن ليس في الوظائف العليا ولكن حتى في الوظائف ذات الدرجات البسيطة إن جاز التعبير.
في نفس الوقت رأيت صورة مغايرة لهذا الواقع في سلطنة عمان وهذا الانطباع كان عن معاينة واقعية.. لا أبالغ إذا قلت إنه حتى البقالات الصغيرة على الطرقات الخارجية التي مررت بها في طريقي لمسقط العاصمة كان المواطن العماني حاضراً بقوة.. ومما عرفت بعد ذلك أن هناك قانون يلزم أي شخص ينشئ شركة أن نسبة معينة «لا تقل عن 50% على ما أذكر» من العاملين في هذه الشركة يجب أن يكونوا من العمانيين.. وطرحت على أحد العمانيين سؤالاً إذا لم تلتزم الشركة بهذه النسبة ماذا يترتب عليها؟ فرد بصورة مباشرة «بنود القوانين واضحة ومن لا يلتزم ليس له مجال للتجارة».. لذلك ليس من خيار إلا أن تقف احتراماً لهذا القانون.
ونقول حتى إذا لم يكن لدينا قانون يلزم هذه الشركات بنسبة معينة من التوطين.. فلا تبرر الادعاءات التي تسوقها هذه الشركات وغيرها عن عدم كفاءة المواطن.. لأن هذا الادعاء ساقط ابتداءً، وذلك لأسباب كثيرة من بينها أن العزف على هذا الوتر المرتخي أن تبقى هذه الشركات خارج حدود مسؤوليتها الاجتماعية وستبقى 30 سنة أخرى وهي تعزف على نفس النغمة..
وما يبطل هذا الادعاء كذلك أن الكثير من المواطنين الذين التحقوا بالشركات الخاصة اثبتوا وجودهم وخير شاهد على ذلك هذه الشركات نفسها بدليل أن بعضها لديه عدد من الموظفين المواطنين.. ولا أتصور أنها شركات خيرية تأوي كل من هب ودب.. وإلا طردتهم ولم تقبل بهم لأنها في النهاية تريد أن تربح.. لذلك تبحث عن الأيدي العاملة الرخيصة وتفضلها على المواطنين، وهذا هو السبب المباشر في إغلاق الباب أمام المواطنين والحديث في هذا يطول.
لكن من المهم أن نشير بصورة واضحة إلى ما أجملناه في البداية وهي المسؤولية الاجتماعية التي أصبحت محل اهتمام الكثير من المفكرين وحتى رجال الأعمال، وهنا أذكر مشروع الأمم المتحدة حول المسؤولية المجتمعية للشركات العالمية حيث وقعت أكثر من 3000 شركة تجارية في مئة وعشرين دولة على الوثيقة التي أقرتها الأمم المحتدة كدليل عمل للشركات للمحافظة على حقوق القوى العاملة ومنع التجاوزات الوظيفية والفساد والوقاية من التلوث البيئي.
كما تؤكد هذه الوثيقة على ضرورة تطوير أعمال هذه الشركات لتضم مسؤوليات مجتمعية خيرية، وبأن تحدد معايير نجاحها بتحقيق نجاحات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في المجتمعات التي تعمل فيها. ولا ننسى ما تقوم به شركة ميكروسوفت التي توفر لخمسة مليار مواطن على سطح الكرة الأرضية وذلك لتهيئتهم لبيئة الإبداع الوظيفية من خلال تعليم وتدريب على المهارات التكنولوجية.
وهذا ما عنيته تماماً أن مجتمع الإمارات اليوم غير الأمس وغداً ستكون متطلباته أكثر وتعقيدات الحصول على وظائف أكبر.. لذلك من الواجب على هذه الشركات القيام بمسؤولياتها الاجتماعية.. ويكفي أنها ظلت لأكثر من 30 سنة وهي تستنزف خيرات هذا الوطن.. وتصدرها للخارج وأعني بها الشركات الأجنبية والعمالة الأجنبية.. فنحن أمام مسؤولية جسيمة يجب على هذه الشركات المساهمة بفاعلية فيها.
خميس عبدالله ــ الإمارات
