حين ترغب بالسياحة في بلد ما لابد أن تزور قلب المدينة، فتتعرف إلى أسواقها الشعبية وحكايات بائعيها فهناك يكمن سر المدينة الذي لا يعطى إلا لمن يبحث عنه، وفي سوق السمك في عجمان تتكشف أسرار ممتعة غنية بالتجارب الإنسانية تحمل في جعبتها الطريف والمدهش والمؤلم من الواقع اليومي للعاملين في السوق ومرتاديه، حيث يلتقي هناك عشرات الناس يشكل السمك وجبة يومية ثابتة عندهم، فيساومون الباعة على أنواعه المختلفة من الهامور والشعري والكنعد والصافي والزبيدي والبياح والخباط والقباب والتبان وغيرها من الأنواع التي يفضلها أبناء البلد وساكنيه.
وينقسم العاملون في السوق إلى عدة فئات منهم الصيادون وأصحاب اللنجات وطرادات الصيد الذين يعودون بصيدهم إلى شاطئ السوق ويجمعونه ليتم بيعه في المزاد العلني اليومي، وفئة الدلالين الذين ينتظرون مواعيد المزاد التي تتكرر مرتين يوميا في الصباح وفي المساء. حيث يقومون بالشراء والبيع ومداولات السوق في ذلك الوقت، والباعة المحليين الذين يبيعون في دكاكين السوق، وغالبيتهم من الجنسية الآسيوية حتى أن بعضهم من أسرة واحدة يتوزعون على دكاكين مختلفة، والعمال من منظفي السوق أو منظفي السمك الذين يعتمد عملهم على وفرة الزبائن والبيع، وكذلك نجد بائعي الخضار التي تنسجم مع وجبات السمك وأصحاب المطاعم الذين يقومون بشي السمك أو قليه للراغبين من رواد السوق، وهكذا نجد مجتمعا متنوعا وثريا بالحكايات والتفاصيل اليومية لسوق يؤمه معظم سكان المدينة.
وما أن تقترب من محلات بيع الأسماك حتى تبادرك الأصوات بالدعوة إلى أنواع السمك بلغة عربية ولكنة آسيوية، ويعرضون أسعارا في السوق لا بد أن تنزل بها إلى النصف لتحصل على السعر مناسب، حتى تجد أن بعض البائعين غير راض على الانتقال إلى السوق الجديد الذي يضع محال السمك متجاورة فيسهم في توحيد الأسعار حيث يقول علي كوتي: ( أعمل في بيع السمك منذ سبع سنوات وقد كنا نبيع في السوق القديم قرب سوق البحر وكان البيع أفضل لأن محال السمك ليست متجاورة لذا عندما يأتي الزبون إلينا يشتري السمك بأسعارنا ولا ينتقل إلى المحلات الأخرى)ويتحدث أشرف آنديكاران عن أوقات بيع السمك فيقول: ( البيع في الصباح أكثر وأفضل حيث يأتي المواطنون إلى السوق صباحا لشراء السمك بينما يكون معظم زبائن المساء من أبناء الجنسيات الآسيوية والعربية، وطبعا لكل نوع من السمك زبائنه، حيث يقبل المواطنون على الهامور والشعري والكنعد والصافي بينما يشتري الوافدون أنواعا مختلفة حسب ما تعودوا أن يأكلوه في بلدانهم، وهناك من يرغب بشراء الأسماك رخيصة الثمن التي تتناسب مع قدرته الشرائية)
الغلاء يفرق الصيادين
وعند شواطئ السوق يتجمع الصيادون قرب «لنجاتهم» ليجمعوا صيدهم وينزلوا به إلى المزاد اليومي، وما أن تسألهم عن عملهم حتى يبادروك بالحديث عن واقع يومي صعب يواجه الصياد يضيق عليه الخناق ويحد من رزقه، حيث يقول الصيادون: إن الغلاء أثر على عملنا كثيرا، ونحن نعاني من ارتفاع أسعار الديزل الذي يصل فيه سعر (الجلن) إلى 12 درهما بينما نجده في قطر والبحرين بدرهمين ولا يتجاوز الدرهم في السعودية وهي دول خليجية مجاورة لنا.
وهذا الغلاء انعكس على عملنا فأحيانا لا نستطيع تعويض مصاريف الرحلة خاصة عندما ينخفض سعر السمك، فضلا عن قانون النوخذة المواطن الذي فرض علينا حيث يكون أجر النوخذة ألفي درهم بغض النظر عن الربح والخسارة وكثير من النواخذة يكونون مشغولين فلا يخرجون للصيد وتتعطل لنجاتنا لأسبوع أو أكثر، فضلا عن أن موجة البرد في المدة الماضية كانت صعبة علينا وقد أثرت على عملنا بشكل كبير.
ويضيف خالد إبراهيم : لا تقتصر متاعبنا على أسعار الديزل فقط فقد ارتفعت أسعار القراقير، فالقرقور بسعة باعين ونصف كان يباع بـ 75 درهما واليوم صار سعره 115 درهما.
دلالون مواطنون مئة بالمئة
وفي السوق دلالون لهم باع طويل في تجارة السمك فأبو سلطان راشد حميد يقول: قضيت في تجارة السمك سبع عشرة سنة، وفي البحر والصيد ثلاثين عاما، ومن تجربتي في هذا المجال أشعر أن لكل إنسان في الدولة إعانة ومساعدة إلا الصيادين فهم متعبون وتكاليف الصيد ترتفع بينما بقيت أسعار السمك كما هي.
ويقول حمد بن علي المهيري : نحن نعمل في صيد السمك وتجارته وها هي حياة الصيادين أمام الناس فهم يتحملون تقلبات الجو والأسعار كما فرض عليهم قانون النوخذة المواطن فصار التعب يأتيهم من كل جانب، ونحن نأتي يوميا إلى مزاد السمك الصباحي حيث يقام في الساعة الثامنة صباحا، والمسائي يقام في الخامسة مساء، وسمك المزاد يوزع على ثلاثة أسواق في الدولة كما يرسل إلى مناطق العين والبريمي وهناك ما يصدر إلى خارج الدولة حين يكون الصيد وفيرا في مواسمه، كما يوجد سوق للأسماك الرخيصة تأتي من عمان وبلدان أخرى وهي لا تؤثر على سوقنا فلكل سوق زبائنه خاصة أن معظم أبناء الإمارات يأكلون السمك يوميا، والمأكولات البحرية تأتي جميعها من البلدان المجاورة.
خضار وفواكه من عمان
وسوق السمك لا يقتصر على تجارة السمك إذ إن للخضار نصيبا فيه حيث تأتي شاحنات محملة بمحاصيل المزارع من الخضار والفواكه العمانية ومعها المشغولات اليدوية من خوص النخيل إضافة إلى التمور السعودية، بينما جلست سيدة في أحد أركان السوق لتبيع معدات الشواء والسمن البلدي والمالح ومجموعة من الأشياء لا يربط بينها شيء سوى الرغبة بالبيع.
يقع سوق السمك الجديد الذي نفذته دائرة البلدية والتخطيط على شارع الميناء ويحل محل السوق القديم، ويمتاز السوق بأنه يقع على أرض مساحتها 13000 متر مربع وبتكلفة إجمالية 9 ملايين درهم، يضم السوق الجديد مبنى من طابق واحد يتكون من مائة وحدة لبيع السمك وعشرين لبيع الخضار كما يضم مباني خدمية وكافتيريا ومخزنا ومكانا لتنظيف السمك وآخر للانتظار مع منطقة لحفظ السمك.
ويضم السوق 250 موقفا للسيارات ومساحات لتنزيل وتحميل الأسماك، وقد تم الانتهاء من المرسى العائم الذي تم تشيده على جانب السوق ويتسع إلى ما يزيد على 60 قاربا يتم توزيعها بين مواقف المرسى ورصيف السوق.
دلال جويد


