تعد الاحْله ظاهرة اجتماعية وإنسانية في نفس الوقت، مارسها صيادو الأسماك قديما عندما كانوا يرجعون من رحلة البحر بالغنائم من السمك، حيث كانوا يقدمون جزءاً من حصيلتهم ومقسومهم للمساعدين في رحلة الصيد لتكون بمثابة وجبة غداء أو عشاء لأهل بيتهم أو لجيرانهم أو لكل من يصادفونهم وبشكل خاص الفقراء والمحتاجين ليحلوا به أكلهم.
ومن ثم يقومون ببيع ما تبقى من الفائض وتقاسم أرزاقه عليهم بالتساوي وتغطيه احتياجاتهم لرحلة الصيد القادمة.وكلمة الاحله كما يرى الباحث سعيد الحداد ذات أصل لغوي وكما يذكر «الجوهري»: أحليت الشيء جعلته حلوا، وهي مشتقة من الحلاة أي حلاوة الشيء وجمالية الصنع كمثال على ذلك «حلوا البيت الفلاني»، مشيرا بأنه عند تذوق طعاماً شهياً تجده حلواً وقد يكون خالياً من السكر، ولكن معد ذلك الطعام قد تفنن بإعداده بصورة جميلة. وطبعا الإحلة يجوز تعميمها على مرقة اللحم والدجاج ولكنه أكثر شيوعاً بالسمك كون البحارة والصيادين هم من تمرسوا بتوزيع الاحله حتى سرت على مختلف أنواع الأطعمة. مبينا بأنها كلمة شائعة ومتداولة في مجتمع الإمارات عامة ومن المصطلحات المحببة لديهم.
وتذكر أم سالم أن تسمية الاحله تعنى أخذ نسبة من المقسوم كما تقول «خذلك قيس احله» أي خذ جزءاً من المقسوم الذي قد يكون زائداً عن الحد أو تقسيم حلاله كهبة لأشخاص آخرين قد يكون بحاجة إلى جزء من هذا الرزق الذي منّه الله عليه. لافته إلى أنها مشتقه من الحلاوة بمعنى ختام وحلاوة صيد اليوم، ما يجعل الصياد يشعر بالراحة لتقديم عطية لمجهوده وبيع رزقه بحصيلة كبيرة دون مقابل أو أجر معين.
وفي الإطار ذاته ذكر عبدالله مريد بأنه في إحدى المرات وأثناء ما كان يصطاد على شاطئ البحر في مربح، وإذ بمراكب الصيد قادمة إلى الميناء حاملة معها صيد اليوم، حيث تقدم إليه أحد الصيادين وكان برفقته اثنان من أصدقائه وقال له: «خذ احلالك أي حلاوتك» التي يرى بأنها تمثل الكرم استنادا إلى لهجته المصرية في تفسير هذه الكلمة بمثابة الحلاوة والتي هي عبارة عن المكافأة أو العطية تعبيرا عن شكرهم لله في رزقهم هذه الأسماك، فالبحر بالنسبة للصيادين مورد الدخل الرئيسي.
وأشار عبدالله أحمد الغاوي بأنها تستخدم لكل الأغراض، وتمثل حلقة اتصال بين جميع الناس لما له من مدلول ومردود نفسي عميق في إشباع احتياجات أفراد تربطهم مشاعر الأخوة والجيرة والإنسانية، وشاركه الرأي محمد سعيد البحرين بأن الاحلة بركة يستدعي توزيعها وكذلك تأتي كمحبة تبعد صفات الأنانية.
الفقراء ينتظرون
ومن جهة أخرى قال أحد الصيادين الكبار في السن بأنه قديما عندما تأتي السفن محملة بصيدها من السمك الوفير ولا تجد فقراء ينتظرون قدومهم، فأنهم عندما يذهبون للصيد في الأسابيع القادمة لا يجدون خيرا وفيرا من الصيد بخلاف ما إذا وجدوهم يترقبون قدومهم ومنحوهم طعاما يسد جوعهم سواء في فترة الصباح أو المساء، لافتا إلى أنها أصبحت عادة اجتماعية .
وهذه طبعا تأتي مكملة لمكارم الأخلاق في مساعدة الناس من ذوي الدخول المحدودة والتي تنشد من يساعدها على توفير قوت يومها ولو بشيء بسيط وبشكل يومي إلى جانب أنها تساعد على التواصل الاجتماعي والتراحم الإنساني.

