الاستعانة بصديق يتقن اللغة الإنجليزية كان ضرورياً للدخول إلى أماكن سكن العمال والموظفين الجماعية وامتلاك القدرة على تجاذب أطراف الحديث معهم حول طبيعة السكن المشترك والأسباب التي تدفعهم الى ذلك، بالإضافة الى الآليات التي تمكنهم من الحصول على هذا السكن..

المهم في الأمر بأن الاكتشاف الأول على طريق إنجاز هذا الحوار والتحقيق تمثل في عدم الحاجة الى الصديق الذي يتقن اللغة الإنجليزية لأن لغتي كانت أفضل حالاً مما يمتلكون، بحيث تحولت الإشارة واللغة العربية المهشمة بالإضافة الى بعض الكلمات الإنجليزية القليلة هي وسيلة التفاهم معهم..

عموماً كان المشهد الاستهلالي لزيارتنا الى الشقة التي يقطنها الكثير من الأشخاص الآسيويين يبدو كمشهد (سوريالي) صنعه شخص غريب الأطوار ذو شاربين رفيعين معقوفين يدعى سلفادور دالي، فكل شيء هنا لا يشبه أي شيء في الأماكن الأخرى، كما تختلف المسميات هنا أيضاً..

فالصالة تحولت إلى مكان مكتظ بالمخلوقات الآدمية التي تحملق في الفراغ بعيون تفتقد المعنى، فيما تطلق الأفواه المزيد من سحب الدخان بطريقة تشعر معها بأن هذا هو الحل الوحيد لحماية القلوب من الانفجار... والمطبخ تحول من مكانه المتعارف عليه إلى تحت الأسرة .

حيث يضع كل شخص حاجاته تحت سريره لأن المكان الطبيعي لذلك لا يتسع لها ، إضافة الى عدم توفر وسائل الحماية لها من الأيدي الخفية( كما أسر لي أحدهم).. رداً على سؤالي له حول السبب الذي يجبره على القبول بالعيش في مثل هذا المكان، ووفق هذه الشروط قال «صورات محمد» بأنه نفس السبب الذي (يجعلني أنا) لا أقبل العيش في مثل هذا المكان.

وتابع بقوله: إنها النقود.. «أرباب»®. فمن يكره أن يعيش في شقة واسعة يستطيع أن ينام ويصحو بشروطه الخاصة، ولكن هذا الأمر لن يتحقق إلا بثمن باهظ خاصة وأن قيمة الإجارات ترتفع بشكل جنوني يجعلنا وكأن غربتنا كانت بهدف أن نسكن..

وقال «شمس الدين» أنا أعمل نادلاً في مطعم وأتقاضى 1500 درهم مع ساعات عمل تمتد منذ التاسعة صباحاً إلى ما قبل منتصف الليل بقليل وأمام هذا الدخل أتتوقع مني أن أسكن في شقة لوحدي، مردفاً: وحتى لو أردت ذلك فكل دخلي لا يمكنني من ذلك.

«راميش» أشار إلى أن مثل هذا السكن يسمح لهم بتوفير مبلغ يرسلونه الى من ينتظر في الوطن، لافتاً الى أن مثل هكذا سكن لايرتب عليهم أكثر من 100 الى 150 درهماً شهرياً ، مؤكداً بأن هذا المبلغ الذي يبدو مناسباً للكثيرين فإن هناك من يجدون صعوبة في دفعه.

وأضاف بأن الأمر يتطلب التضحية بالكثير من الرفاهية ، حيث سيكون الشخص مضطراً للتعايش مع أنواع مختلفة من البشر وسلوكيات متنوعة، منها ما يكون مناسباً للشخص وكثير منها لا يكون مقبولاً على الأغلب، لافتاً الى أن الحاجة والضرورة تجعل الشخص يقبل بتذمر بالسلوكيات التي تتناقض مع ما اعتاد عليه، ولكنه وبمرور الوقت قد تتحول هذه السلوكيات الى جزء منه أيضاً.

الجولة كانت لابد أن تشمل بعض الشقق الجماعية التي تضم ساكنات من الجنس اللطيف والتي كان حالها أفضل كثيراً مما شاهدناه في شقق الجنس الخشن من حيث الترتيب والنظافة، وإن خلت من الخصوصية التي يحتاج اليها الشخص على حد تعبير «جينا» التي رأت بأنها تتوق في بعض الأحيان الى ساعة من الخلوة مع نفسها ربما لاستحضار وجوه الأحبة في الوطن وخصوصاً طفلها الصغير الذي تركته بعهدة والدتها المسنة بعد أن تخلى زوجها عن أي مسؤولية تجاهه بعد الطلاق،.

ورأت أن مثل هذا النوع من السكن يناسب أصحاب الدخول المتواضعة خاصة في ظل ارتفاع قيمة الإيجارات، لافتة الى أنها أساساً وبالنظر الى راتبها الشهري فهي لا تستطيع مطلقاً أن تشارك في سكن مع ثلاثة فتيات أو أربعة مثلاً لأن ذلك سيرتب عليها مبلغاً لاطاقة لها به وقال زميلتها «لورين» إنها وعلى الرغم من سعادتها مع زميلاتها في السكن من خلال تفاهمها معهم حول الكثير من المسائل إلا أن هناك تفاصيلاً خاصة جداً يتمنى الشخص لو يستطيع أن ينفرد بنفسه تماماً للقيام بها.

واعتبرت «هدى» من تونس والموظفة في قسم العلاقات العامة بإحدى المؤسسات، أن مثل هذا السكن مع ما فيه من سلبيات على صعد مختلفة إلا أنه بمثابة الرحمة للكثيرين الذين اكتووا بنيران ارتفاع الأسعار في الدولة وعلى رأسها الإيجارات، موضحة بأن أهم ما في الإنسان قدرته على التكيف مع مختلف ظروف الحياة ومتغيراتها .

حيث تراجعت الأمور بالنسبة لها بشكل كبير على صعيد السكن فمن شقة تضمها وثلاثة زميلات من نفس جنسيتها الى أخرى يقطنها العشرات ومن أقطار مختلفة وما يعنيه ذلك من اضطرارها للتكيف مع الكثير من السلوكيات وطرق المعيشة التي قد تتناقض بالكامل مع تربيتها..

وتضيف ضاحكة بمرارة بأنه ربما كان ذلك مفيداً لمن هم في مثل أوضاعهم المادية ولا يستطيعون السفر والتعرف على عادات وتقاليد الآخرين بالحصول على فوائد السفر دون .. سفر!!

خالد اللوباني