مع صعوبات الحياة والعمل والارتفاع الجنوني للأسعار اختار كثير من العائلات الوافدة مضطرين الانقسام إلى قسمين؛ فالزوجة والأبناء شدوا الرحال إلى البلد الأم، بينما بقي الزوج يكدح بعيداً عن أسرته، يقضي يومه في العمل ثم يعود إلى غرفته الموحشة، لا زوجة تنتظره آخر النهار بمحبة ولا أبناء يهللون لعودته بفرح، ليس سوى مسؤوليات الأسرة ومتطلباتها حاضرة ولابد من توفيرها، فهو في الحقيقة متزوج بدرجة عازب.
ولهذا النمط من الحياة من المشقة والعذاب ما لا يعرفه إلا من اكتوى بناره، فقد كشفت دراسة علمية أن عيش الإنسان لوحده يضاعف من مخاطر إصابته بأزمات قلبية حادة بالمقارنة مع عيشه مع شريك أو شخص آخر، وذكرت الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة آرهوس ساجويس الدنماركية، أن النساء فوق عمر الستين والرجال بعد الخمسين الذين يعيشون لوحدهم يكون لديهم مخاطر متزايدة للإصابة بعدة حالات مرضية منها خناق الصدر الحاد والنوبات القلبية.فكيف يعيش هؤلاء المتزوجون العازبون؟ وهل تطاردهم أمراض القلب أو يقض مضاجعهم الشعور بالغربة والوحدة والحرمان؟ أم أنهم يستعيدون أناقة العزوبية وأجواءها المرحة؟
ألم الفراق
يبدو أن من ذاق طعم الزواج، واستلذ بدفء أجواء الأسرة لم يعد يرغب بحياة العازبين، فضلا عن ان البعد عن الاسرة ليس خياراً بقدر ما هو إجبار تفرضه الظروف المالية للعائلة، فقد أوضح بشير محمد ـ سوداني ـ ( انها أسوأ درجات العزوبية فلا العمر يسمح بتلك الوحدة والغربة ولا الصحة.
وقد بلغت السادسة والخمسين وأنا أعيش حالة العزوبية الاضطرارية منذ خمسة عشر عاما ومسؤولياتي تتطلب مني أن أعمل بعيدا عن زوجتي وأبنائي، فمنهم من يدرس بالجامعة الآن، وأحيانا أشعر أني تخليت عن حياتي بأكملها من أجلهم، وقد تعرضت لجلطة في القلب قبل ثلاثة شهور ولولا رحمة الله لكنت في عداد الأموات، ومع ذلك فأنا أواصل عملي في مجال الترجمة آملا أن ينهي أبنائي جامعاتهم لأعود إلى بلدي وأقضي بقية أيامي هناك.
ويبدأ علي الجابري ـ عراقي ـ حكايته مع العزوبية الاضطرارية قائلا ( ربما يقول كثير ممن هم حولي أني لم أتصرف بحكمة، لكني في الحقيقة أعاني جدا من مسألة ابتعادي عن أسرتي والعيش وحيدا، وقد أحضرت عائلتي من العراق قبل خمس سنوات وعشنا معا لمدة سنتين لكن ظروفي المادية لم تسمح بالاستمرار مع دخول بناتي المدارس الابتدائية لذا عادت أسرتي لأعيش وحيدا هنا.
وقد أثر ذلك على وضعي النفسي وأدائي في العمل، وقررت الاستقالة من عملي والعودة إلى العراق، لكن الظرف الذي يمر به البلد لا يسمح بهذا الأمر فحاولت تأجير مسكن مناسب وجلب أطفالي بعد أن وعدني بعض الأصدقاء بالتوسط لتسجيل أطفالي في مدارس خيرية.
وقد كانت تجربة مريرة بالفعل فكثير من المدارس الخيرية تتعامل مع الناس بازدراء شديد فيجعلون أولياء الأمور ينتظرون أوقاتا طويلة وربما يحولونك من شخص إلى آخر إلى أن وصلت حالة من اليأس قررت أن أعيد بعدها عائلتي إلى العراق ولا أتحمل هذا الإذلال.
وأنا اليوم أعيش حالة الوحدة والغربة معا، أفكر كل يوم متى ينتهي هذا الكابوس فأطفالي بحاجة لوجودي معهم، وراتبي الذي لا يكفي لإطعامهم هنا لا يمكن أن يحل المشكلة، وبصراحة لا أدري أي قرار يمكن أن اتخذه اليوم أو غدا فقد أصل إلى مرحلة الانفجار وأترك كل شيء وأعود إلى أسرتي حتى لو أكلنا التراب).
الوجه الآخر للمأساة
ويبدو أن المسألة تأخذ لدى بعض الناس بعداً آخر، حيث ينظر إلى النصف الملآن من الكأس فهذا أما إبراهيم سيد ـ مصري ـ يقول: إذا كانت هناك محاسن في العيش بعيدا عن أسرتك فهي في تعلم فنون الطبخ والغسيل.
ومن المضحك أن هناك رجال يحسدوننا على حياة العازبين، فلي صديق يهرب دائما إلى مسكني من صخب الأسرة ومعارك الزوجة، ويتحسر على أن تكون له فرصة الحياة بهدوء مثلي، وهو لا يدرك صعوبة أن تقضي الليل وحيدا بعيدا عن العاطفة وعن الشعور بالأمان، وربما لو عاش تلك التجربة بشكل حقيقي لما تمنى الابتعاد عن أسرته.
ويقول لؤي جابر أردني : لقد تحولت إلى مصدر للهدايا والأموال، فمنذ خمس سنوات لم أستطع مشاركة أطفالي فرحهم بنجاحاتهم ولم أستطع أن أساعد زوجتي في تربيتهم.
وصار دوري في الغربة مقتصرا على إرسال مصاريف البيت والدراسة وحين أزورهم في الإجازات أشعر أني مقترن بالهدايا أكثر من اقتراني بالأبوة وأنا لا ألوم أطفالي فهم صغار ولا يدركون خطورة البعد لكني أشعر بالشفقة على المرأة التي بدأت تتعب من الوقوف وحيدة مع ستة أطفال دخل بعضهم منعطف المراهقة الحرج، لذا يكون تواصلي الدائم معها وهي تخبرني بجميع التفاصيل لأتعرف على ما يحصل في بيتي بشكل مستمر، وقد تعودنا على تلك الحالة حتى أن السؤال عنها يقلب المواجع التي ألفناها.
متزوجات ـ عازبات
ولا تنطبق تلك الحالة على الرجال فقط، فهناك سيدات يعشن حالة الوحدة والابتعاد عن الزوج والأبناء ومعظمهن من بلدان غير عربية والمرأة تضطر إلى ترك بيتها وأطفالها لتعمل بعيدا عنهم كما حصل للورينا فيلوزـ فلبينيةـ التي تروي تجربتها قائلة: أنا متزوجة ولي طفلان أصغرهما في الثالثة من العمر وابني البكر في الخامسة.
وقد تركتهما مع أمي وزوجي حيث حصلت على فرصة عملي هنا بائعة في أحد محلات العطور، بينما لم يحصل زوجي على أية فرصة حتى الآن لذا بدأت حياتي في الإمارات وحيدة وأنا أفتقد طفلي جدا لكني أعرف أن ما أفعله سببه الرغبة في بناء مستقبل جيد لهما وهذا الأمر يجعلني قادرة على الاستمرار.
إضافة إلى أني أتحدث إليهما بشكل يومي عن طريق الانترنت فأشعر بتواصلي معهما، وأنا هنا لا أعيش حياة حقيقية فكل يومي ينقضي بالعمل وساعات الراحة القليلة أكون فيها مع صديقاتي ولا شيء غير ذلك، وأتمنى أن أستطيع توفير مبلغ من المال لأعود إلى الفلبين لأبدأ مشروعي الخاص.
أما الأندنونيسية ليلي فتقول : تركت أسرتي منذ خمس سنوات لأعمل خادمة في الكويت ثم الإمارات، وقد عشت هذه السنوات وحيدة، ولي ثلاثة أطفال يعيشون مع والدهم، وهذه هي السنة الأخيرة التي أقضيها هنا فقد اشتريت مزرعة صغيرة في بلادي وفتح زوجي دكانا قرب البيت .
وليس لدي الا بعض الديون التي سأسددها مع نهاية هذا العام وأعود لأعيش مع أطفالي وأسرتي من جديد، وقد قال لي زوجي ذات مرة على الهاتف اذا بقيت هنا سنة أخرى فسيتزوج امرأة ثانية، وعلى الرغم من أن الموضوع كان مزاحا لكني بقيت أبكي طوال الليل، فقد آلمني أن تكون تلك هي النتيجة بعد كل التعب والغربة التي عشتها.
مخاطر اجتماعية
يسبب العيش بعيدا عن الأسرة مخاطر اجتماعية تحدث عنها الدكتور أحمد العموش رئيس قسم الاجتماع في جامعة الشارقة فقال: إن الأشخاص الذين يرتبطون بأسرهم وتضطرهم ظروفهم المادية إلى الابتعاد عنها قد يكونون أكثر عرضة للانحراف السلوكي والأخلاقي والاجتماعي كونهم يعانون من حاجة غير مشبعة.
وقد يتحولون إلى أشخاص انسحابيين من المجتمع ويبتعدون عن العلاقات الإنسانية ويكون ارتباطهم بعملهم فقط، وهذا الأمر يدفع إلى الشعور بالغربة الشديدة والوحدة، وربما تكون المشكلة الاجتماعية مزدوجة .
حيث تتعرض أسرة الأب المهاجر إلى التصدع المعياري والقيمي، لأن التفكك الأسري وبعد الأب قد يؤديان إلى انحراف الأبناء أو وجود مشاكل أسرية كبيرة وبالتالي حين يعود الأب الى أسرته يشعر بالغربة عنهم، وابتعاد الأب عن أسرته يفقده استقراره الاجتماعي الأمر الذي ينعكس على إنتاجيته في العمل فيقل عطاؤه الاجتماعي والاقتصادي ويتأثر وضعه الوظيفي بشكل سلبي لا يناسب ما يتمناه أو يطمح إليه.

