هاجمها المرض بلا رحمة أو شفقة، فأصيبت في عامها الثالث بنوبة حرارة شديدة لم ترحل عنها إلا بعد أن سلبتها نعمة السمع وحجبتها عن تعلم المزيد من الكلمات ولتصبح منى سعيد تنتمي لفئة خاصة هي الصم والبكم.

في البداية واجهت منى صعوبات وضغوطاً نفسية كثيرة، كانت تتمثل في بعض المضايقات، وخجل أهلها من حالتها الصحية، وتعليقات الأطفال عليها، إلا أنها أصرت على متابعة حياتها بشكل طبيعي، لا سيما وأن لديها بعض الزاد من الكلمات التي حفظتها في سنوات عمرها الثلاث الأولى.

كما أنها تستطيع سماع الأصوات العالية، لذا التحقت بمدرسة حكومية ودرست فيها لغاية الصف الثالث الإعدادي، وكانت من أذكى الطالبات مع أنه لا يوجد لديها لغة تواصل وحوار مع معلميها، إلا أنها كانت متميزة في المواد البصرية التي كانت تصعب على كثير من التلاميذ الذين يستطيعون الكلام ، ومن هذه المواد الرياضيات والفيزياء، وذلك لأنها تتمتع بذاكرة قوية وقدرة عالية على الفهم.

اختارت منى أن تكمل دراسة المرحلة الثانوية في المنزل وتنضم إلى طالبات الفترة المسائية، فكانت تعاني طول فترة الدراسة من إصابتها، ولا تفهم ما يدور حولها بسهولة، لذا قررت بعد الثانوية الالتحاق بمركز خاص بتعليم لغة الإشارة، وذلك بهدف مساعدة نفسها أكثر على إيجاد لغة مشتركة بينها وبين باقي أفراد المجتمع.

منى الزوجة والأم

عن طريق العائلة استطاعت منى الارتباط مع نصفها الآخر، فقد تزوجت من شخص ينتمي إلى الفئة نفسها، وأنجبت منه توأمين يتمتعان بصحة جيدة، هما إبراهيم وعلي، ويبلغان من العمر الآن سنة ونصف. واجهت منى في بداية الأمر صعوبة في تربية أطفالها ، لكنها حرصت على تعليمهم الكلام ، فكانت تضعهم أمام شاشة التلفاز، بهدف تطوير حاسة السمع والكلام لديهم، وفي أيامهم الأولى استعانت منى بأجراس أتى بها أحد الأقارب من أميركيا.

حيث كانت تربط في يد كل طفل جرساً لتشعر به عندما يتحرك أو يبكي ليلاً، وذلك من خلال وضعهما فوق رأسها مباشرة ، فكان الطفل إذ تحرك أو بكى تسمع صوت الجرس بفضل السماعة فتستيقظ من نومها. وتعيش منى حياة زوجية مستقرة، وتتمنى أن يحصل زوجها على عمل مريح، لأن وظيفته الحالية متعبة جداً، وتأخذ كل وقته، حيث يحتاج إلى أن يستيقظ في ساعات الفجر ، ويقضي معظم ساعات النهار خارج المنزل.

نحو الحياة

بسبب الوقت الطويل الذي يقضيه زوجها خارج المنزل، وحاجتها للعمل لتساعد زوجها مادياً، سعت منى نحو تطوير الخبرات العملية لديها ، مما فتح المجال أمامها لممارسة حياتها بشكل طبيعي مثل باقي البشر، فقررت البحث عن عمل، وطرقت أبواب أكثر من جهة حكومية وخاصة، وأسفر البحث عن توفر فرصة لها في إدارة الجنسية والإقامة بدبي قبل سبع سنوات، حيث تعمل كمدخلة بيانات، تقوم بعملية الأرشفة الالكترونية ، والاستفسار عن ملفات جوازات السفر، والتصوير الالكتروني للملفات وتنظيمها.

لم تتأقلم العاملات في القسم مع منى مباشرة، بسبب صعوبة النطق والسمع الذي تعاني منه، لكنهن سرعان ما اعتدن عليها، حيث ساعدهن على ذلك أنها تتكلم بعض الكلمات، كما أنها تسمع الأصوات القريبة منها بفضل السماعة، لذا أحب الجميع شخصيتها التي تميزها طيبة قلبها، وبراءتها.

ولبراعتها في العمل وسرعتها ودقتها، حصلت من إدارة الجنسية والإقامة على وسام التكريم كموظفة متميزة. تشعر منى أنها حرمت بسبب مرضها من الدورات التدريبية التي تقام للموظفين في مكان عملها، وتأمل أن تكون هناك دورات لذوي الاحتياجات الخاصة، لتساهم بتطوير أدائها العملي كباقي الأفراد العاملين في الإدارة.

سمانا النصيرات