«رجاء عدم الكتابة على الجدران.. ابشر طال عمرك».. «شيطون.. انساني ما بنساك».. «منصور يا الأبيض منصور».. «الحب عذاب».. «عائدون إلى القدس ».. «حارة الأحزان».. هي شيء من الرفض والتمرد.. وشيء آخر من الحديث بصوت عال..
قد تكون وجهاً من أوجه المعارضة والجدال المدون مع الآخر المجهول.. أو انطباعات الفراغ توحي بجو المكان.. وتسجل الزمان.. أو قد تكون زفيراً اصطدمت اهتزازاته بحائط هو أول من استقبل تلك التأوهات الخارجة من صدر الفرح.. أو الغضب والثورة.. أو التساؤل!! كانت في القدم مظهراً من مظاهر قيام الحضارات وازدهارها.. حيث ساهمت في تأريخ أهم الأحداث والاكتشافات البشرية.. كالنقوش الفرعونية في المعابد والآثار بمصر.. أما اليوم فهي سلوك غير حضاري.. يجب القضاء عليه وتوعية من يمارسه بخطر هذه الظاهرة في تشويه جمالية المدن.
قيل إنها دفاتر المجانين.. ولكن يبدو أن هذا الجنون صفة عامة.. يمارسه المراهقون والراشدون وذوو الانتماءات السياسية المختلفة.. وحتى الفنانون ممن يطلقون العنان لريشهم في فضاء أوسع.. امتد ليصل إلى الجدران والأرضيات.
اضطراب نفسي
الدكتور محمد اسبيته اختصاصي طب نفسي من مستشفى راشد يقول إن الظاهرة بوجهها غير الحضاري، تعبر عن اضطرابات سلوكية تعتمد بالدرجة الأولى على المرحلة العمرية التي يمر بها الشباب والمراهقون، وتتخذ هذه الاضطرابات أشكالاً مختلفة تشمل الكتابة على الجدران وإيذاء الحيوانات وعصيان الأهل، وإشعال الحرائق ومخالفة القانون والسب والشتم، فتلك أساليب مختلفة للفت الانتباه وإن كان بطرق مؤلمة ومزعجة، لأنهم غير واعين أو مدركين لمقدار الخطأ الذي يرتكبون.
واعتبر الدكتور اسبيته أن عامل التربية يساهم بطريقة مباشرة في نشوء مثل هذه السلوكيات، ومدى وعي الأهل بضرورة توجيه الأطفال وتفريغ الطاقات بالشكل الصحيح يساهم في حلها، فلا بد أن يدرك الأهل قدرات أبنائهم ويسعون إلى احتوائها ووضعها في الإطار المناسب، من خلال إلحاق الشباب والأطفال بالأندية والمكتبات لضمان الاستفادة من مهاراتهم والحصول على البغية المنشودة من ذلك وهي تفريغ طاقات الشباب بما يسهم في صقلهم وزيادة ذخيرتهم المعرفية أو تطوير مواهبهم والتعبير عن حاجاتهم النفسية ودواخلهم بما يسهم في تطويرها لا كبتها.
وما يضمن إخراج الجانب المشرق من حياة الشباب بدلاً من تكريس الأزمات دون القدرة عن التعبير عنها، فهذه الظاهرة تعتبر رغبةً في إثبات الذات بطريقة خاطئة. فعلى الأهل الاهتمام بطريقة الإرشاد والتربية، والتركيز على احتواء المراهق وعدم تأنيبه أمام الآخرين، فكلما كان التعامل عقلانياً قلت عدوانية الأبناء وكان العلاج أمراً ممكناً.
انعكاس ثقافي
بعيداً عن الكتابة بغرض تشويه المناظر الجمالية للمدن اعتبرت التشكيلية نجاة مكي أن ظاهرة الكتابة على الجدران ببعديها الفني والتاريخي تُعد ذات مكانة وأهمية كبيرة في تاريخ الشعوب وثقافتها. وأضافت: «في بعض الدول المتقدمة تعد الكتابة على الجدران نوعاً من أنواع الفنون، له ممارسون ومتذوقون أيضاً، بحيث يعتبر هذا الفن ذا خصوصية بحيث يتم ممارسته في أماكن خاصة وبطريقة مقننة،
مثل محطات القطار التي تخصص فيها بعض الأماكن للرسومات الجدارية، مثل الكاريكاتير الساخر، أو رسومات لمشاهير أو سياسيين، أو خطوط عربية مزخرفة، مثل التي نراها في الأحياء الشعبية، والتي تتضمن رسومات دينية لمساجد أو أدعية وأحاديث نبوية وأبيات شعرية،
ورسائل اجتماعية تعكس العلاقات بين الأهالي، مثل «الحمدلله على السلامة» و «حج مبرور» فتلك السلوكيات تنقل ثقافة البلد وفنونه، وتظهر القيم المجتمعية الحميدة، ومدى الترابط بين أفراده، ومبادئه بحرفية عالية، فالزخرفات تعكس تناسقاً بين الألوان، وكل ذلك بعيداً عن الكتابات العشوائية، فللفن أيضاً حدود وضوابط يفرضها المجتمع».
حملة توعوية
أطلقت إدارة الشرطة المجتمعية بالتعاون مع دائرة البلدية في إمارة أبوظبي حملة مؤخراً والتي تهدف إلى مكافحة الكتابة على الجدران حفاظا على المظهر العام لمدينة أبوظبي تحت شعار «لا للكتابة على الجدران.. نعم لنظافة مدننا وشوارعنا»، وأوضح النقيب مبارك العامري مدير إدارة الشرطة المجتمعية أن الهدف من الحملة يشمل عملية المتابعة والمراقبة بالتنسيق مع أقسام الشرطة وبالتعاون مع إدارة البلدية.
ويشرع في التوعية بأضرار السلوكيات الخاطئة التي تدفع بعض الأفراد إلى الكتابة على الجدران وتشويه المرافق العامة مدينة أبو ظبي بالكتابات العشوائية، فالقرار في منع هذه الظاهرة مشترك، ويتحتم على الجميع التعاون بشأن القضاء عليها.
أمل الفلاسي

