أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة أن هذا العام هو عام الهوية الوطنية، وذلك محافظة على موروثات المجتمع وحفاظاً على العنصر الوطني في ظل خلل التركيبة السكانية.
وقد لاقى هذا الإعلان ترحيباً هائلاً من كل الأطياف والجهات الرسمية وغير الرسمية، الحكومية والخاصة. ومما يدل وبوضوح وقوة على هذا الاهتمام افتتاح ملتقى الهوية الوطنية وانعقاده ما بين 15 و16 من شهر ابريل 2008م.
لكن، هل يكفي أن نرحب بالقرار ونمتدح أهدافه، ونعقد له المؤتمرات والملتقيات إن كان الفعل الواجب اتخاذه في تعزيز الهوية الوطنية مجمداً؟! لا يمكن أبداً الحديث عن الهوية الوطنية دون التطرق إلى اللغة العربية التي تكاد أن تجتث من جذورها.
ولا يمكن فتح هذا الملف دون التطرق إلى بعض القرارات من بعض المسؤولين في الحكومة والتي لها تأثيرات سلبية على اللغة العربية. أولها وأهمها القرارات الصادرة من وزارة التربية والتعليم، التي تعمق الانحناء تجاه اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية وجعلها اللغة الأولى بدلاً من الثانية.
تغييرات كبيرة في المناهج الدراسية تحولها تدريجياً إلى الإنجليزية، تخفيض عدد حصص اللغة العربية في المدارس والإكثار من الإنجليزية، مطالبة المعلمين ومديري المدارس بإجادة اللغة الإنجليزية! كان يمكن أن يكون هذا إيجابياً ومطلوباً في حالة أن اللغة العربية أصلاً سليمة عند التلاميذ والمعلمين والمديرين، ولو كانت الوزارة قد أجرت اختبارات في العربية قبل أن تهتم بإجراء اختبارات في الإنجليزية.
إن الكثيرين أصبحوا يجيدون الإنجليزية، لكنهم لا يجيدون العربية.. يجيدون التحدث بالعامية فقط لأن العامية هي (اللغة الأم) أما العربية الفصحى وهي الأم الأصلية، أصبحت فقط للمسلسلات المكسيكية والرسوم المتحركة.
كثيرون يجيدون الكتابة باللغة الإنجليزية، ولكن إن كتبوا رسالة بالعربية فحدث وبحرج شديد عن الأخطاء الإملائية المخيفة والتعبيرات الركيكة. الدوائر الحكومية والخاصة تفرض إجادة الإنجليزية حتى وإن لم تحتج الوظيفة ذلك، ولا يطلب من أحد إجادة اللغة العربية!!
إذن للانتقال من مرحلة الكلام والترحيب إلى مرحلة العمل الفعلي للحفاظ على الهوية الوطنية يجب البدء بإحلال العربية لتكون اللغة الأولى لاحتلال أي وظيفة، وبعدها الإنجليزية. واللجنة القائمة على تنفيذ هذا الأمر يجب أن تعمل بحزم، ودون تردد عليها أن تحاسب من يقصر في الحفاظ على العربية لكونها جزءا أساسيا في نسيج الهوية.
فالوزير الذي شارك مؤخراً في مؤتمر دولي، أقيم على أرض الإمارات، وقرأ كلمته الخاصة بالمؤتمر بالإنجليزية يجب أن يحاسب، لأن الأصل أن يقرأها بالعربية وعلى أجهزة الترجمة الفورية القيام بالباقي. فكل دول العالم التي تحترم لغتها تفعل ذلك، ولا يضطر وزراء تلك الدول أن يرطنوا بالإنجليزية كي يبرهنوا أنهم (متعلمون) كما يحب بعضنا أن يفعل.
أقيم قبل عدة أيام معرض خاص بالسلامة في مطار أبوظبي برعاية شركة أبوظبي للمطارات، وكان الدخول مقتصراً على المدعوين فقط. المثير في الأمر عدة أشياء؛ الأول اسم المعرض كتب بالإنجليزية فقط ولم يكتب نهائياً في أي مكان بالعربية.
الثاني: بطاقات الدعوة كانت بالإنجليزية فقط أيضاً ولا محل لكلمة واحدة بالعربية فيها. الثالث أن جهة حكومية (احتفلت مؤخراً بيوبيلها الذهبي) قامت بتوزيع حقائب إسعافات أولية على الزائرين تحمل شعارها من الخارج؛ وتحوي المعدات الضرورية للإسعاف، وبداخلها كتيب صغير فيه شرح عن طريقة الإسعاف.
الكتيب المهم جداً كان مشروحاً بعشر لغات.. منها الألمانية والإنجليزية والدنماركية ولغات دول أخرى لم أتعرف إليها، أما العربية أعزائي فقد غابت عن الكتيب أيضاً، كما غابت عن كل المعرض رغم أنها وزعت من قبل جهة حكومية، ورغم أن المعرض مقام على أرض عربية يستوطنه عرب.
هل نتوقع الحفاظ على الهوية واللغة من خلال المؤتمرات فقط؟ إنه فعلاً لأمر مؤلم أن نضطر للمطالبة باستخدام العربية في دولة عربية، وكأن العربية هي الغريبة!
إيناس البوريني - أبوظبي
