لم تنجح ابتسامته الباهتة في إخفاء ملامح الحزن على قسمات وجهه، وأخفق دخان سيجارته في منحه أية فرصة لتشتيت توتره البادي للعيان، وبل وجد فيه مبرراً ليقول لنا بأن ما ظهر في عينيه لم يكن دموعا بل بسبب دخان سيجارته ما جعل الاحمرار يصيب عينيه ويفرز ذاك السائل الشبيه بالدموع التي خانته عندما انهالت غزيرة لنبذل جهدا كبيرا في تجفيفها وتهدئته قبيل انطلاقته بالاجابة عن سؤالنا له حول ما الذي فعلته القروض البنكية بحياته. هذه الانطلاقة التي تعثرت مرات عديدة لنعيد تهدئة (جمال) الذي كان ينخرط في نوبة بكاء عندما يصل به التأثر إلى منتهاه وهو يسرد الحكاية.. التي لم تعد حكايته وحده.. فالآثار المدمرة للقروض البنكية طالت وتطال الكثيرين، ولكل منهم حكاية سنسرد بعضها.

وقال الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي خلال ندوة (أمن القروض المصرفية) التي نظمها مركز دعم اتخاذ القرار بشرطة دبي أواخر شهر مارس الماضي إن الجميع يسعى إلى وضع الضوابط الحاكمة والمعايير المناسبة التي تحول دون دخول المقترض الذي ليس له سجل إجرامي، أو استعداد انحرافي، أو قصد جنائي للسجن، بسبب قلة خبرته، أو سوء حظه. وتقليل نسبة الديون المعدومة إلى أدنى المستويات الممكنة، حفاظا على حقوق البنوك وحماية مصالحها، وتوجيه القروض المصرفية للأنشطة التنموية، وزيادة القدرة المجتمعية على الانتاج، وتوليد الدخل، وليس الاستهلاك الترفي، والانفاق المظهري. وتوعية صغار المستثمرين من مخاطر الاقتراض من البنوك للاستثمار في اسواق الأوراق المالية والحد من عمليات شراء الأسهم على المكشوف، ومنع المقرضين من استكتاب المقترضين شيكات على بياض، لما يمثله ذلك من استغلال بشع لحاجة وظروف المقترض، وما ينجم عنه من إذلال لشخصه، وتهديد لحريته.

السم في الدسم وأكدت الندوة المذكورة ان قيمة القروض الشخصية بلغت خلال العام 2006 في الدولة 160 مليار درهم وفق الإحصاءات الرسمية كما زاد حجم القروض بمعدل 9. 63 في المائة خلال العام الماضي عن سابقه، وارتفع عدد الشيكات المرتجعة إلى 758 ألف شيك بقيمة 7. 22 مليار درهم. ربما كان هذا الاستهلال ضروريا للإطلالة على حجم وطبيعة المشكلة التي يواجهها المجتمع الإماراتي والتي تسابق الشباب للإدلاء بدلوهم عندما طلبنا الاستماع لآرائهم بهذه المشكلة. حيث أكد عدد كبير منهم أن عدم التخطيط المالي الجيد في ظل سهولة الحصول على قروض بمبالغ ضخمة تصل إلى أضعاف الراتب الشهري بمرات عدة تؤدي إلى آثار اجتماعية واقتصادية سلبية، مشيرين إلى أهمية تعزيز الوعي الادخاري بحيث لا يضطر إلى الاقتراض لمواجهة أي جانب من متطلبات الحياة. كما أبدى العديد منهم استغرابه من زيادة حالات اللجوء إلى الاقتراض في مجتمع يعد من أعلى المجتمعات من حيث متوسط الدخل الفردي في العالم، الأمر الذي يتطلب دراسة شاملة حيث أصبح الشباب يقترضون من أجل الزواج والسفر، وأشاروا إلى أن المشكلة تنحصر في شقين، يتمثلان في بنوك تتنافس لتقديم التسهيلات للقروض، وأفراد يتعجلون العيش برفاهية.

لاصطياد الضحايا... فنون احمد ناصر (موظف) قال إن البنوك تتفنن في عملية اصطياد ضحاياها عبر الاتصال بهم في مكاتبهم وإبلاغهم بالتسهيلات السخية التي يقدمها البنك إذا قاموا بالاقتراض، لافتا إلى انه وعلى الرغم من ذلك فإنه سيكون مضطرا للجوء إلى البنوك للحصول على مبلغ يساعده في إتمام عملية الزواج. وأضاف بان تجربة زملاء له أكدت أن البنوك نفسها تستخدم طرقاً مختلفة مع العملاء، فالعميل الجديد تقدم له الإغراءات كافة بهدف جذبه وتحفيزه على استخراج بطاقة الائتمان ويعفى من دفع رسوم الاشتراك السنوي، في السنة الأولى، وعندما يصبح عميلاً قديماً يتم فرض الرسوم الواحدة تلو الأخرى. ويرى ناصر أن المجتمع من واجبه التكاتف للقضاء على هذه المشكلة المتمثلة في استغلال البنوك للأفراد، مقترحا إنشاء صندوق للتكافل تساهم فيه مؤسسات حكومية وتجار ورجال أعمال بالدولة، بحيث يقدمون مبالغ مالية تساهم في حل مشكلات كثيرين من أبناء الوطن مقابل أن يقوم الأشخاص بسداد المبالغ التي يحصلون عليها من الصندوق على فترات ومن خلال مبلغ محدد يتم اقتطاعه من راتب الموظف.

ويرى عبيد محمد، (موظف)، أن طبيعة الخدمات التي تقدمها المصارف بمثابة نقمة ونعمة لأنها في الدرجة الأولى من مصلحة البنك، وهناك بعض الأشخاص لا يدركون مدى خطورة القروض الشخصية ويقومون بالتوقيع على عقد القرض دون قراءة مضمونه ولا نسبة الفوائد وفي النهاية يجد المرء نفسه غارقاً في الدين ولا حول له ولا قوة، مضيفا بأن وسائل التسويق تلعب دوراً كبيراً في الإيقاع بالضحايا.

حيث تقوم بعض البنوك بإرسال مندوبيها إلى الدوائر الحكومية والخاصة للترويج للقروض وإغراء الموظفين وإعطائهم، فطبيعة المنافسة تفرض عليها تعزيز الحملات التسويقية، ولكل له طريقته الخاصة في المنافسة، فبعض وكالات السيارات تقوم بنشر إعلانات في الصحف عن عروض خاصة لبيع السيارات وبالتقسيط المريح عن طريق البنك، أي أن هناك تنسيقاً بين وكالات السيارات والبنوك.

ولا توجد هناك أي ضوابط، فيجب أن يكون هناك دور للجهات الرقابية والإشرافية من خلال منع مندوبي البنوك من الدخول إلى الدوائر الحكومية وتقديم عروض القروض الشخصية وفرض غرامات مالية على أي بنك يقوم بإرسال مندوبيه إلى أي دائرة حكومية أو خاصة للترويج عن أي نوع من أنواع القروض، وتوعية أفراد المجتمع.

الفخ الجميل

ويرى احمد العمادي، موظف، أن الخدمات التي تقدمها المصارف فخ للعملاء لأنهم ينظرون للمصارف لحاجتهم لمبالغ كبيرة عند اللزوم أو لمساعدتهم في فك أزمة مالية، لكن الطرق التي تتبعها في التحصيل خاصة نسب الفائدة تؤدي إلى تراكم الديون على العملاء.

كما أن عمليات التسويق لها دور كبير في جذب عملاء للاقتراض من خلال الإغراءات التي يقدمونها وتشجيعهم على الاقتراض من البنوك بطريقة ميسرة، أما بالنسبة للمنافسة فكل بنك يسعى للمنافسة ومحاولة تقديم الأفضل من خلال عروضه بتقديم تسهيلات وتقليل نسبة الفوائد.

ولا توجد هناك أي ضوابط، ويجب أن يكون هناك دور للجهات الرقابية والإشرافية من خلال توعية الأفراد من سلبيات وإيجابيات الخدمات التي تقدمها البنوك، وتشديد الرقابة على العروض التي يقدمها البنك، وفرض غرامات على البنوك.

عبد الكريم يوسف، موظف، قال إن البنوك تعتبر القروض الشخصية بمثابة ريع لها ومن دون هذه القروض لن تستفيد البنوك أي شي، أما بالنسبة لدور عمليات التسويق والإعلان فإن البنوك تعمل جاهدة على جذب العملاء، ويرى أن هناك تنافساً بين البنوك في مجال الإقراض، وتعمل أيضاً على تأجيل الإقساط مثلاً لمدة ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر لجذب العميل.

ويرى إسماعيل ميلادي، موظف بأن شريحة واسعة من عملاء المصارف تنظر للخدمات التي تقدمها في مجال الإقراض الشخصي على أنها حلول سريعة تمكنهم من خلالها توفير السيولة النقدية لتحقيق رغباتهم، والتي في أغلبها تعتبر كماليات كشراء سيارة أو قضاء عطلة أو شراء أثاث.

وبعضهم تسوقه متطلبات الحياة والالتزامات إلى تلك المصارف لتوفير بعض المتطلبات الحياتية كبناء منزل أو الزواج، ولا شك أن السوق المفتوحة زادت من المنافسة بين المصارف الأمر الذي أدى إلى زيادة حملات التسويق وجعلت الكثير من العملاء يناشدون الجهات المختصة بفرض ضوابط على حملات الإعلان والتسويق.

ومن جانبه، قال وسام حمدان، موظف، إن البنوك تحاول من خلال الإعلانات التي تقوم بنشرها عبر وسائل الإعلام إيقاع الشباب في بئر الديون والتي تفوق قدرتهم على سدادها، مضيفا بأن المبالغ التي تمنحها البنوك للشباب تبلغ أضعاف رواتبهم التي يتقاضونها بعشرات المرات.

ولذلك تجدهم يعجزون عن سدادها، حيث يستحيل مع الظروف الحالية المتمثلة في غلاء المعيشة، وزيادة متطلبات الحياة أن يكون هناك توفيق بين الوفاء بالمتطلبات الحياتية وسداد تلك الديون التي تثقل كاهل الشاب. ويرى حمدان أن المصير المحتوم لكثير من قضايا القروض هو النهاية المأساوية من حيث دخول عدد كبير من الشباب للسجون نتيجة تلك الديون غير المدروسة.

خسائر بالجملة

اللقاء مع بعض الضحايا كان ضروريا للإطلالة على معاناتهم الكبرى المترتبة على القروض البنكية التي بدت وقت الحصول عليها وكأنها فرصة ذهبية لا يحصل عليها إلا صاحب الحظ السعيد. الضحية جمال أشار إلى انه خسر كل شيء بسبب القروض، حتى زوجته التي كانت الدافع الرئيسي وراء توجهه نحو البنوك جراء احتدام المعارك العائلية بينهما نتيجة عدم استعدادها لتحمل التبعات المالية.

التي كانت تستنزف الراتب الشهري بما لا يدع للأسرة أي فرصة للإنفاق على قضايا الرفاهية والاقتصار على الضروريات فقط، وبصعوبة شديدة. يقول عن مصيبته: ما زاد الطين بلة وأسهم في تعقيد أوضاعه وتشابكها، فقدانه لوظيفته بعد مرور 7 أشهر على زواجه حيث أصبح عاجزا عن سداد القرض ليعرف الطريق إلى السجن.

وقال صالح وهو ضحية أخرى للقروض البنكية ، بأنه كان حذرا على الدوام من الاقتراب من البنوك إلا أنه تخلى عن حذره عندما قرر الدخول مع احد الأصدقاء شريكا في معمل لخياطة الملابس، والذي أقنعه بأن الأرباح ستكون كبيرة خلال فترة وجيزة.

مشيرا إلى أن الوقائع اللاحقة أكدت زيف هذه التوقعات، وبأنها مجرد أضغاث أحلام ليس إلا ، لافتا إلى أن الأمور انقلبت إلى العكس تماما وتحول من مشروع تاجر كبير إلى شخص مدين يشرع السجن أبوابه على مصراعيها له.

إحصائيات خطيرة

أكد الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي خلال ندوة (أمن القروض المصرفية) التي نظمها مركز دعم اتخاذ القرار بشرطة دبي أواخر شهر مارس الماضي أن هناك مشكلة كبيرة تواجه بناء المجتمع الإماراتي هي مشكلة الاقتراض من البنوك وتحتاج إلى تنسيق كافة الجهود حتى لا يكون هناك مزيد من المتورطين من الشباب في هذه القروض،

وكشف الفريق تميم خلال الندوة عن نتائج دراسة ميدانية كان قد أجراها خبراء (مركز دعم اتخاذ القرار) مطلع شهر مارس الماضي على نزلاء سجن دبي، أظهرت ان 13 في المائة من إجمالي المسجونين كان بسبب ارتكابهم جريمة إصدار شيك من دون رصيد، 41. 6 في المائة منهم كانوا ممن تورطوا في قروض شخصية عجزوا عن سدادها للبنوك.

خالد اللوباني