ولدت ندى شهاب ورأت النور في بيروت وعاشت فيها حياة طبيعية لعمر أربع سنوات، لكن مع نهاية عامها الرابع أصيبت بنوبة حرارة شديدة أثرت عليها، حيث ازداد الضغط على طبلة الأذن ونجم عنه مشكلات في السمع وصعوبة في تعلم ومتابعة المزيد من الكلام، فانضمت إلى فئة الصم والبكم.

في البداية واجهت صعوبات بسبب خجل الأهل ومحاولتهم حجبها عن الآخرين، لكنها أصرت على متابعة مشوارها، حيث كانت تخرج إلى المتاجر المجاورة للمنزل وتطلب من والدتها كتابة احتياجاتها على ورقة، وبعد مدة وبسبب تكرر بعض الاحتياجات استطاعت ندى حفظ الطلبات والاستغناء.

في البداية كانت تجد صعوبة في التعامل مع أصحاب المتاجر، لكنهم اعتادوا عليها وأصبحوا قادرين على ترجمة ما تريد، وساعدهم على ذلك أنها ما زالت تحتفظ بشيء بسيط من الكلام الذي تعلمته قبل وصولها سن الرابعة.

دخلت ندى مدرسة بعبدات الخاصة بالصم والبكم في السادسة من عمرها، واستمرت فيها لغاية الصف الأول الإعدادي، وكانت تتعلم فن الرسم على يد فنان معروف في بلدها فكانت من أذكى الطالبات عنده مع أنه لم يكن ثمة لغة الحوار بينهما، إلا أنها كانت تقلد كل ما يفعله بشكل دقيق وامتازت بفن الرسم الهندسي الذي كان يصعب على كثير من التلاميذ.

أخذت ندى الرسم مصدراً لكسب الرزق، وعملت كذلك بتغليف الشوكولاتة، وفي صالونات التجميل، واستطاعت توفير المال وقامت بسفرات عدة مع صديقاتها إلى دول أوربية. في عام 1975 التقت ندى بمحمد عبد الحميد الذي كان يشاركها الإعاقة نفسها، وكان قد قصد لبنان سنة 1971 مبحراً بهدف التدريب في مؤسسة الأب أندوخ لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي أهّلت محمد أربع سنوات وجعلت منه فني الكهرباء والميكانيكا، وفي عام 1975 انضم محمد للعمل بالمؤسسة.

جرت العادة أن تقيم مدرسة بعبدات ومؤسسة الأب أندوخ الأعياد ومناسبات ذوي الاحتياجات الخاصة معاً، وأصبح محمد وندى يلتقيان في هذه الحفلات، وفي إحدى المناسبات عام 1979 قرر محمد عرض فكرة الزواج على ندى.

أبدت ندى موافقتها تكوين أسرة، لكن أهلها عارضوا فكرة الموضوع تماماً، خوفاً من إنجاب أطفال يعانون من المشكلة نفسها، لكن ندى أكدت لوالدتها أن المشكلة لديها ولدى محمد ليست وراثية، حيث أنه أصبح غير قادر على السمع والكلام بعدما تعرض للسقوط من أعلى وأثرت الإصابة على طبلة الأذن ومزقتها، وتم الزواج في 1980، بدعم من أفراد الأسرة.

بعد عام من الزواج أنجبت ندى طفلتها الأولى مايا، وبعد سبع سنوات أنجبت نسمة، وساعدتها أمها في تربية طفلتيها، ولم تواجه ندى صعوبات في تربية ابنتيها وكانت تشعر بأطفالها عند البكاء ليلاً من خلال وضعهم فوق رأسها مباشرة، فكان الطفل إذا تحرك أو بكى تشعر بحركته، وبسبب حرص ندى على تعليم ابنتيها الكلام.

كانت تصطحبهما يومياً بعد مرور ثماني أو تسعة شهور على ولادتهما إلى الحضانة، ليجدا من يكلمهما ويطور لديهما هذه المهارة، لم تكن لدى الطفلتين مشكلة بالتعامل مع الأبوين، واستوعبا فكرة أنهما غير قادرين على الكلام وتعلمتا لغة الإشارة منهما.

في 1984 جاء محمد إلى الدولة للعمل في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية بمجال الصيانة وظل يعمل مدة ثلاث سنوات بعيداً عن أسرته، لذا طلب مقابلة الشيخة جميلة القاسمي مديرة المدينة، بخصوص جلب ندى للعمل بالمدينة .

وشرح لها عن مهارة الرسم التي تتمتع، فقررت الشيخة الاستفادة من مهاراتها بتعليم أطفال مركز الأمل خصوصاً أن جميع من في المركز يعانون من الإعاقة نفسها التي تعاني منها ندى، وهي تمتلك الخبرة بالتعامل معهم لوجود لغة حوار وتواصل مشتركة بينهم، وطلبت الشيخة بعد ذلك عمل الأوراق اللازمة.

كان قرار الشيخة جميلة القاسمي في محله، حيث كانت لغة التخاطب بين ندى وطلابها سهلة، واستطاعت ندى تطوير المهارات الفنية لديهم إذ إنهم أصبحوا يشاركون في المسابقات الفنية على مستوى الدولة فكانوا يحرزون كل مرة إحدى المراتب الثلاث الأولى.

أقام محمد وعائلته في بيت خشبي في المدينة وكانت طريقة التخاطب بينهم عن طريق الدق على جزء خشبي، فكان المنزل يهتز فينتبه الآخر، وبعد ثلاث سنوات أتت البنت الثالثة ميرنا في عام 1991، فقررت المدينة بمساعدة الشيخة جميلة بناء منزل آخر للعائلة بعدما علمت برغبتهم في السكن الدائم على طول داخل سور المدينة.

قال محمد وندى إن العمل في المدينة ومساعدة الشيخة جميلة المادية والمعنوية ساهما في تطور الخبرات العملية لديهم، وفتح المجال أمامهما لممارسة حياتهما بشكل طبيعي كباقي أفراد المجتمع، وذلل الصعاب أمامهما.

أما مايا البنت البكر لمحمد وندى فتزوجت حديثاً من شاب مواطن تحبه ومتفهم جداً لوضع والديها الصحي، وقالت إن أهلي أعظم أبوين في الدنيا وأنا محظوظة بأني ابنتهم، فرغم إعاقتهم لم ينقصا عليّ شيء، وأمّنا لي حياة جيدة وحرصا على إنهاء دراستي الجامعية، حيث أنني حصلت على بكالوريوس تربية فنية من جامعة بيروت.

وذكرت نسمة البنت الوسطى التي تدرس تخصص الوسائط المتعددة في الجامعة الأميركية في الشارقة وهي سنة ثالثة أنها فخورة جداً بوالديها، لأنهما استطاعا توفير مقومات الحياة الأساسية لنا مثل باقي الأهالي. وعن ميرنا التي في الصف ثاني ثانوي قالت: تعلمت لغة الإشارة بسرعة، لأنني وعيت عليها، حيث إن أخواتي عند ولادتي كانوا في بيروت وكنت وحدي هنا مع أمي وأبي، ومنذ الصغر لغاية الآن أنا الآن المترجم الرسمي لنشرة الأخبار لأبي، لأنه مهتم بالمواضع السياسية جداً.

سمانا النصيرات