تبدو أم صالح كستينية مشرقة؛ لكن عمرها الحقيقي يفوق ذلك بأكثر من عقد ربما، تحرص على أناقتها في الملبس وتنتقي الألوان الزاهية ولا تقبل من الأقمشة بغير الحرير الطبيعي، وأحيانا القطن الفاخر. تنظم الشعر وتحفظه وتحمل في جعبة ذاكرتها الكثير من الحكايات والمواقف المزمنة لكثير من المعارف والجيران أولئك الذين مروا على أيام عمرها الجميل.

وممن عاصرت تجاربهم. إذا جمعت الظروف أم صالح بأحدكم فلن يمل البقاء في جو أحاديثها وقصائدها وأمثالها البديعة، ومخزونها الثقافي نتيجة القراءة والاطلاع. وقد لا يعجب المرء من معرفة أم صالح القراءة؛ لكونها ممن حالفهن الحظ في التعلم لدى الكتاتيب وحفظت القرآن الكريم في عمر مبكر.

لكن ما يثير الإعجاب حقا هو معرفة أم صالح بالكتابة وبخط واثق منمق وجميل؛ وبما أننا قد عرفنا كيف تعلمت القراءة وأين، فكيف تعلمت الكتابة يا ترى وأين تقول وقد شعت في وجهها ابتسامة رضا، ومما لا يزال في نظرتها من لمعة شقية.

كنت مولعة بالتعلم؛ فكنت أتجاوز أقراني لسرعة حافظتي فأنهي ما كلفت بحفظه قبلهم، وشغفت بما اقرأ ولذلك أحببت الكتابة فعمدت إلى الفحم أكتب على الجدران ما أحفظ وأهرب قبل أن يراني أحد فيطعمني العقاب، بعد فترة صار كل من يريدني يستدل على مكان وجودي من اتجاه الفحم على الجدران، ثم أصبح الأمر ممتعا للجيران، وكلما شاهدوا كتابة على جدرانهم مهما كانت بعيدة عن حينا قالوا هذه فلانة مرت من هنا.

وهكذا تشكلت معرفتي بالكتابة. لكن المدهش أن أم صالح لم تكتف بالقراءة والكتابة فحسب وإنما هي تجيد الحديث بعدد من اللغات ومنها الإنجليزية والهندية والفارسية إلى جانب لغتها العربية الأم وهي بذلك تتفوق على الكثير من أبناء وبنات وقتنا الحالي في مهاراتها.

لكن كيف اكتسبت هذه اللغات تقول: بفضل الأسفار؛ فقد كنت شغوفة بالسفر وكانت الهند محطة دائمة لنا ثم لندن وإيران. وتذكر أم صالح بعض المواقف التي تنم عن شخصية ليست ظريفة وحسب بل وسريعة البديهة فتقول: في إحدى رحلاتنا إلى الهند كان الازدحام شديدا أمام موظف التأشيرات والجوازات في المطار.

وكنا مرهقين من الرحلة فتقدمت إلى الموظف وحدثته بلغته وطلبت منه إنهاء جوازي وزوجي بسرعة، فنظر الرجل إلى الجواز ودهش قائلا لكنك من الإمارات فقلت صحيح لكني في الأصل هندية وزوجي إماراتي، والموقف نفسه واجهنا في إيران فاستحضرت الحيلة نفسها مستخدمة الفارسية هذه المرة ونجحت في الموقفين.

أم صالح اليوم شخصية علم، فهي معروفة على مستوى المجتمع، كسيدة مجتمع وشاعرة، تطارح بشعرها معظم رموز الشعر النبطي المعروفين، وتصدر دواوين بالعدد حسب تعبيرها، توزعها للخاصة فقط. كما أنها مربية قدمت للوطن رجالا يتبوؤون اليوم مراكز لها شأن.

ومازالت أم صالح ورغم خطوط الزمن المتشكلة في أخاديدها تحتفظ بألق الحياة المفعمة بالبهجة والمرح والجمال. مع كل ذلك فقد رفضت أم صالح التصوير لأنها كما قالت لا تزال خاضعة لنظرة المجتمع وما زالت تراعي كلام الناس حول صورة المرأة.

ولا تنسى الإشارة بدلال أنها أيضا تراعي أبناءها حتى لو لم يستاؤوا من نشر صورتها في جريدة. تركت أم صالح مودعة، ولم يزل بي شغف الاستماع إلى جوانب تجربتها، والاستمتاع بحلو حديثها المسترسل كجدول مائي في واحة نخيل مثمر بأطايب الرطب.

ميسون عبدالله ـ الإمارات