تبقى الذكريات كامنةً في الأماكن التي نتردد عليها في الصغر، حيث النقاء والبراءة، وحيث تتكون المفاهيم الأولى.. وتُنسج الأحلام من حرير القلب، وتلتحف بها أمنيات اليوم والغد.. عائشة عبد الله.. كرست أماني الصغر.. وحققتها في الكبر.. هي الطفلة التي ارتوت بحب الأب وحظيت بمرافقته.

حتى تراكم فيها الإحساس بالمسؤولية والرغبة في العمل الجاد.. والأم التي رعت الأسرة وأخذت على عاتقها توفير احتياجاتها.. وسعت جادةً بالإخلاص في تجارة اختارت أن تمتهنها واحترفتها حتى كبر الأبناء وجاء وقت رد الجميل.. عائشة وجه من الحاضر.. عابق بالماضي الجميل.. وبالغد الأصيل. زرناها في «شبرة العين» حيث تعمل في تجارة المواد الغذائية، تروي عائشة قصتها مع السوق القديم والتي بدأت منذ طفولتها عندما كانت تأتي مع والدها لبيع المواشي والسخام «الفحم» في فصل الشتاء وبيع اللومي «الليمون» والهمبه «المانجو«والرطب «البلح «في فصل الصيف. تقول عائشة التي تعمل في المكان ذاته منذ عشرين عاما «كنت آتي برفقة والدي عندما كنت صغيرة، وبعد أن تزوجت وأصبح لدي أسرة وبدأت مطالب الأطفال تزيد، كان الحل في شبرة العين لتوفير متطلبات الأسرة، وقتها قررت دخول السوق ولكن هذه المرة للبيع، وبدأت منذ تلك الأيام ببيع ما تشاهدونه من منتجات لا زالت مطلوبة حتى اليوم،مثل الحنا والحلول والزعتر واللبان واليعده والحلبة والحبة الحمراء والسوداء والخل والخبز الرقاق وعصير الليمون.

تتحدث عائشة عن علاقتها الحميمة ب»شبرة العين» فتقول: في البداية توجهت للسوق طلبا للرزق ولكي أوفر احتياجات أبنائي ولكن علاقتي بالسوق أصبحت بعد أن كبر أولادي علاقة ود وحب فلم اعد أتصور أن يأتي يوم علي بدون الحضور إلى السوق وعرض منتجاتي التي أبيعها اشعر أن ذلك أصبح واجبا علي بعد أن ربطتني علاقة حميمة مع زبائني الذين تعودوا على الشراء مني منذ ما يقارب العشرين عاما،ولذا اشعر أنني أصبحت منهم وهم مني وفي حال غاب احدهم لفترة اتصل بهم ويتصلون بي».

خلال عشرين عاماً من العمل، واجهت عائشة صعوبات عدة، كان أبرزها الطقس وحرارة الجو في الصيف، تؤكد عائشة أنها تغلبت على هذه الصعوبة «ففي الشتاء ألبس ملابس ثقيلة أول الصباح وقد لا احتاجها خلال الظهيرة لأني أجلس تحت الشمس وينتهي عملي عند الواحدة ظهرا،ولكن المشكلة تكون في أيام القيظ «الصيف» الذي تكون فيه الحرارة مرتفعة على مدار اليوم وتزيد فترة الصباح إلى الظهيرة.

خلال هذه الفترة نستخدم مراوح اليد المصنوعة من الورق أو الخوص «سعف النخيل، في بداية عملي في السوق كنت أتضايق من الحرارة ولكن ومع مرور السنين وعلاقتي بزبائني تعودت على حرارة الصيف وبرد الشتاء ويهون علي ذلك زبائني».

لأن النعمة تستوجب الشكر والإيمان مبعث للعمل المخلص دائماً، قالت عائشة: «أحمد الله أنني استطعت أن أوفر لأولادي التعليم وهم سبعة أبناء حتى المرحلة الثانوية وتمنيت أن ينهون التعليم الجامعي ولكن ذلك يتجاوز حدود استطاعتي وهم الآن يعملون بشهاداتهم الثانوية.

ولكنني تمنيت أن يبادروا إلى رد الجميل، ومساعدتي في نفقات الأسرة، وخصوصا بعد أن شهدت الأسواق ارتفاع الأسعار بالشكل الذي يجعلنا نكتفي بالأساسيات فقط، وفي النهاية احمد الله وأشكره على نعمه الكثيرة علي وأسرتي، لان السوق علمنا الكثير من الدروس والعظات التي توفرت من خلال التعامل المباشر مع كثير من الناس من أجناس وشرائح مختلفة وبالتالي وصلت إلى قناعة بأنني وأسرتي في خير كبير.

قبل أن ينتهي الحديث، توجهت إلى عائشة بسؤال أخير، خلال عشرين سنة هل مررت بمواقف حرجة أو مضحكة، فردت: الحمد لله لم تصادفني مواقف مزعجة لأن الناس الذين نتعامل معهم يظهرون لنا الود والإحسان، وطبيعية المعاملة مع الآخرين يستطيع الأشخاص رسمها من خلال تعاملهم مع الآخرين.

سليم المستكا