في المنطقة الفاصلة بين الظلال المسدلة وينابيع الضوء التي ترسم تفاصيل الحقيقة، تركن بهدوء قلق وقائع أسر إماراتية بانتظار من يعلق الجرس بفتح ملف التغيرات التي طالتها سلبا أم إيجابا في ظل التطور المتسارع الذي شهدته الدولة خلال الأعوام الماضية.

والتغيرات المقصودة هي تلك التي طرأت على العلاقة بين الزوج والزوجة، الأب والأم وتأثيرات ذلك على الأبناء التي يمكن تلمسها بتراجع الرقابة على الاولاد وما نجم عنه من مشكلات اجتماعية متعددة، والذي يؤسس لصعود قيم ومفاهيم جديدة طارئة على المجتمع.

ولعل الاغتراب بين الزوجين ـ كما تراه الغالبية ـ المعطى الأول الذي أسس لمشكلات لاحقة، بمعنى انه فتح الباب على مصراعيه لنشوء مشاكل الادمان والطلاق والعنوسة وغيرها ما جعلها تجاور الظاهرة في المجتمع الاماراتي.. في الوقت الذي نجد في آخرين ربما من باب دفن الرأس في الرمال لا يرون ان هناك مشكلة أصلا، وما يقال في هذا الصدد مجرد تضخيم إعلامي يفتقد لأي اساس.

حاولنا الاقتراب من الحقيقة بلقاء شرائح متنوعة من أبناء المجتمع والاستماع إلى آرائهم.

معركة التطور المادي

عبد الكريم محمد، المشرف الفني في بلدية دبي قال إن المشكلة الأساسية تكمن في دخول المجتمع الإماراتي معركة التطور المادي دون أدوات، لافتا إلى ان التهافت كان على توفير النواحي المادية مع عدم الالتفات لأهمية الجوانب المعنوية.

و يرى أن المسؤوليات الأسرية قد أفلتت فعليا من يد العائلة الإماراتية التي سلمتها طوعا وبإرادتها للآخرين المتمثلين بالخدم والسائقين، لذا جاء هذا التسيب مترافقا مع انفراط عقد الأسرة عبر تغير نظام السكن، حيث أصبحت العائلة تسكن منزلا مترامي الأطراف بعد ان كان مسكنها السابق محدود النطاق يمنح الأب والأم كل الإمكانية للرقابة على الأولاد بعكس الجديد الذي بات الأبناء يخرجون ويدخلون في أي ساعة يشاؤون دون حسيب أو رقيب.

وأشار إلى انه وفي اطار النمط الجديد في حياة العائلة فقد أصبحت المرأة الإماراتية عاملة في اغلب الأسر من خلال هامش أوسع للاستقلالية لها، كما أصبح لديها سيارتها الخاصة وعالمها الخاص أسوة بالزوج الذي أصبح عمله وعلاقاته الأخرى يستغرقان كل وقته بعيدا عن الأبناء الذين ترسم ملامح ثقافتهم الخادمات.

وأضاف محمد أن إيقاع الحياة المتسارع ساهم إلى حد بعيد في تعميق الهوة وتلاشي الود بين الزوجين، وبينهما وبين الأبناء أيضا، حيث أصبح الأب غير مقتنع بزوجته ويبحث عن بديل لها وغالبا ما يكون من جنسيات غير إماراتية، كما أصبحت الزوجة لا تثق بزوجها وتعيش حالة هجران وعزلة، مشيرا الى ان الأولاد في هذه المعمعة غالبا ما يظهرون سلوكيات تتناقض مع التقاليد السائدة في المجتمع والتي اكتسبوها من خلال دراستهم في المدارس في ظل غياب الرقابة الأسرية.

ويقول ماء العينين سلامة، موظف، إن قيم الاستهلاك العشوائية، وخلق احتياجات وهمية لعبت دورا كبيرا في التصادم بين أفراد الأسرة الواحدة، مع تراجع سلطة الأهل على الأبناء بشكل عام، الأمر الذي أدى إلى إضعاف صلة القرابة والترابط الأسري.

وأشار إلى ان الأم في الأسرة الإماراتية لم تعد خاضعة لزوجها كما في السابق، لينسحب هذا الأمر أيضا على علاقة الأبناء مع الآباء والأمهات التي باتت تتسم بالندية إلى ان أصبحت الأسرة تمثل في حقيقتها وجوهرها تجمعا يضم وحدات معزولة وليست كما يقال نواة للمجتمع.

تواصل شبه مفقود

على الجانب الآخر، هناك كفة الميزان الأخرى، الأم، والزوجة، وهي شريكة في المشكلة، ولا بد أنها شريكة في الحل أيضا، استطلاع لآراء بعض السيدات، كشف عن منطقة وسطى بين الزوجين يكمن فيها الحل الأمثل.

أبدت أم غانم، موظفة، قلقها من ظاهرة الاغتراب التي تعيشها معظم الأسر تحت سقف واحد، وتقول: «إن الحياة الأسرية في مجتمعنا بمعناها الحسي أصبحت شبه مفقودة، وأعتقد أن ذلك يعد نتيجة طبيعية لإيقاع الحياة المتسارع، فالتكنولوجيا أفقدت الكثير من العادات الاجتماعية حميميتها، في حين أصبحنا نستغني عن التواصل الحسي مع الأشخاص، واستعضنا عنه بالتواصل الالكتروني من خلال المسجات والرسائل الالكترونية، وإن ذلك في محيط العائلة نفسها وبين أفرادها المقربين».

وعن سوء العلاقة الاجتماعية بين الزوجين، ترى علياء ـ ربة منزل ـ أن السبب الأول في ذلك يعود إلى سعي كل منهما للحاق بالحياة العملية التي أصبحت تلتهم ساعات طويلة من اليوم، فيعود كل منهما إلى المنزل للراحة والبحث عن الهدوء في انتظار يوم عمل شاق آخر، فلا تشهد الحياة أي نوع من التواصل أو الارتباط بأي شكل من أشكال المسؤولية داخل محيط الأسرة.

ويؤسفني القول إنه في ظل الانفتاح الاقتصادي الذي يشهده المجتمع الإماراتي، أصبح الزوج يسعى إلى إثبات كيانه الذكوري، من خلال تعدد علاقاته النسائية، وقد أحدث ذلك فجوة في الحياة الأسرية وتدهورا في علاقته بزوجته، وبأبنائه.

كما تتحمل الزوجة كذلك جزءا من المساهمة في تفاقم المشكلة، إذ يجب أن تحرص على إبقاء حياتها الزوجية بعيدة عن أي مشاكل من شأنها تفكيكها، وأن تسعى إلى الحلول السلمية بعيدا عن الطلاق الذي يؤدي إلى هدم بيت الزوجية.

اختلاف الوعي الثقافي - تعارض الافكار فجوة في العلاقة

وأكدت أم أحمد ـ ربة منزل ـ أن اختلاف الوعي الثقافي بين الزوجين في المجتمع الإماراتي وما يتبعه من اختلاف في الرأي، قد يتحول إلى خلاف في الرؤى والأفكار، هو سبب رئيسي ومباشر في إحداث فجوة في العلاقة بين الزوجين، فاعتياد الزوج على إعطاء الأوامر وإصدار القرارات من جهة.

وسعي المرأة لإثبات نفسها وأحقيتها في المشاركة في أي قرار يختص بالحياة الزوجية من جهة أخرى، أدى إلى تازم الوضع، تقول أم أحمد «وبالنسبة لي شخصيا، لقد عانيت كثيرا في محاولة السعي لخلق جسور تواصل وبناء حوار بيني وبين زوجي، ففي أغلب الأحيان، كان الصمت سيد الموقف حيث يسود جلساتنا لفترات طويلة، وأي محاولة للكلام كانت تبوء بالفشل، واستمر هذا الحال عدة سنوات.

وكنت على يقين أنه يجد من تشاركه الكلام خارج المنزل، في العمل أو في الأماكن العامة، وبعد أن أنجبت أطفالي الثلاثة، بدأت بوادر التغيير تظهر على سلوكه، أصبح أكثر قربا مني ومن أولاده، لكن هذا التغيير كلفني كثيرا، فالعيش مع رجل لا يتكلم ولا يقبل بالمرأة شريكة له تحت سقف واحد، أمر لا يحتمل.

وممكن أن يؤدي إلى الطلاق، وأعتقد أن الرجل في مجتمعاتنا لا يدرك أن للمرأة رأيا ووجهة نظر تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار، فهي شريكة ومربية أجيال، وقد تكون أدرى من زوجها بحال أسرتها، وذلك لقربها منهم في حين أن الزوج يقضي معظم وقته خارج المنزل».

أمومة في إجازة

أيوب العلي، مذيع في تلفزيون دبي أن الأسرة الإماراتية فقدت استقرارها ولم تعد متماسكة كما كان الأمر عليه في السابق، وذلك يعود بالدرجة الأولى الى استقالة الأم من دورها ومنحه للخادمات، وخروجها للعمل لساعات طويلة وكما يقول فإن هذا الأمر هو «ضريبة إعطاء المرأة حقوقها مع أن المرأة مكانها البيت والرجل هو المعني بالإنفاق على الأسرة».

وتساءل العلي عما يمكن ان يترتب على غياب الأب والأم لأكثر من 12 ساعة عن المنزل، وما هو مصير الأبناء وحقوقهم في رعاية أبويهم لهم. أحمد ناصر، موظف، أشار إلى أن الحديث عن وجود أسرة إماراتية متماسكة بالمعنى الحرفي للكلمة أصبح من الماضي، مشيرا الى ان الموجود حاليا عبارة عن غطاء لعوالم متعددة ومعزولة عن بعضها البعض، لا يعرف كل طرف من الأطراف أي شيء عن الآخر.

ولا تتضمن العلاقة بين الجميع تحت هذا الغطاء سوى بعض التفاصيل البروتوكولية «لزوم المظاهر»، لافتا الى ان الأسباب تكمن في انشغال الأب والأم الدائم عن تربية الأولاد، الذين اندفع الكثير منهم الى طرق الانحراف، فيما نجا البعض من ذلك بقدرة قادر. عبدالكريم محمد يقول الحل يكمن في إعادة الزوج والزوجة النظر في علاقتهما بعضهما البعض، والبحث عن وسائل للتواصل بينهما ومع الأبناء أيضا.

خالد اللوباني وأمل الفلاسي