كان مُمدداً على السرير مخالفاً لعادته، مستسلماً لمبضع الجراح بكل هدوء، تخترق جسده قطعة معدنية بهدف تجبير كسره، ولكن ذلك استدعى حقنه بالمخدر، لأنه حر والحر عادةً ما يعانق الأعالي ويجوب الفضاء، كانت تلك حالة أحد الطيور في مستشفى الصقور بدبي، أول مركز طبي من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، حيث زرناه لنتعرف إلى تفاصيل الخدمات التي تحظى بها الصقور في الدولة.

تأسس مستشفى الصقور بدبي عام 1983 بتوجيهات من سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية، وشهد في عام 2001 تحت إدارة حميد عبيد المهيري برنامج إعادة تطوير شاملا، تضمن توسعة المنشآت السريرية لتشمل غرفة جراحة جديدة وقسماً للعناية بالحيوانات البرية وجناحاً للتصوير التشخيصي بالإضافة إلى مختبر تشخيصي متطور. ويقدم المستشفى خدماته البيطرية في مواسم صيد الصقور الخاصة بأصحاب السمو الشيوخ بدول مجلس التعاون وتقديم الإسعافات الأولية والعلاج للصقور التي تتعرض للحوادث بالدولة. حيث يستقبل المستشفى قرابة 1700 من الصقور، ويتبع مبدأ الطب الوقائي ليتم بشكل دوري إجراء الفحص الصحي وإعطاء الأدوية والتطاعيم المضادة للطفيليات والأمراض المعدية الشائعة في المنطقة. وتتسم كل منطقة بطبيعة جغرافية ومناخية تساهم في تحديد نوع الأمراض الشائعة، وحول أكثر الحالات المرضية التي تصاب بها الصقور يقول حميد المهيري مدير مستشفى الصقور: «لعل أبرز الإصابات التي يستقبلها المستشفى الحياطة وهي نوع من أمراض الجهاز التنفسي تنتج عن الإجهاد الذي يتعرض له الطير.

وتتم معالجته عن طريق الغاز، ولكنه لا يشفى تماماً بل يتطلب العناية الدائمة والفحوصات الدورية، واتباع توجيهات الطبيب فيما يتعلق بالطعام وضرورة الابتعاد عن الغبار أو كل ما من شأنه التأثير على الجهاز التنفسي للطير، والمرض الآخر الشائع أيضاً يُسمى السومار أو تقرح الدم وهو مرض جلدي يصيب أرجل الصقر.

وتجربتنا في المستشفى تُعد رائدة في تطبيق أحدث الأساليب العلاجية وهي استخدام أدوية البشر في علاج الصقور التي أثبتت نجاحها وبشكل ملحوظ، كما نقدم خدماتنا في مجال الجراحة والكسور، ولدينا 3 أطباء متخصصين و4 ممرضين وخبير ترميم الريش، وأجهزة أشعة ذات تقنية عالية يتم من خلالها الكشف عن مرض الحياطة أو حالات إصابة بالخطأ ينتج عنها تسمم الطير نتيجة صيده حمامة مصابة برصاصة».

فحوصات شاملة

ويضيف المهيري «لدينا مختبر متطور يمكن الحصول فيه على نتائج الفحوصات خلال 15 دقيقة، كما يوفر المختبر فحص عينات الدم واللعاب إلى جانب حالات التسمم. كما أن المستشفى يستقبل الصقور التي يود أصحابها الحصول على استشارة طبية تثبت لياقتها بالإضافة إلى علاجها مجاناً بدعم من سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، ويتم فتح ملف خاص بكل طير ووضع برنامج للتلقيح.

أما عن طبيعة الإصابات وعلاجها فيقول الدكتور أحمد حسن: «بالنسبة لكسور الأجنحة التي يتم تداركها مبكراً والتأكد منها عن طريق الأشعة، تُعالج عبر وضع مسمار حديدي داخل العظم، وتحتاج إلى 45 يوماً لتجبير الكسر وهناك حالات يستغرق علاجها أقل من ذلك، وتُعد كسور الأجنحة من الحالات الشائعة حيث تصيب ما يقارب من 75% من الصقور».

وعن الأمراض المعدية التي تصيب الطيور قال الدكتور حسن: يشمل البرنامج جرعة أولية وثانية بعد مرور شهر، بعدها يتم تلقيحه بشكل سنوي، ويتضمن تلقيحاً ضد أمراض معدية مثل النيوكاسل والجدري والهيربس، كما تم استحداث لقاح تجريبي ضد انفلونزا الطيور، ويتم استقبال الصقور من الكويت والسعودية والبحرين، ويستقبل المستشفى بالإضافة إلى الصقور، الغزلان والأرانب والقطط والكلاب.

وأكد أن المستشفى على اتصال دائم بمراكز الأبحاث بجامعات دولية في أوروبا وأميركا وأستراليا والدراسات قائمة فيما يختص بالأدوية وفي ذلك يقول الدكتور حسن: نحن لا نعتمد على شراء الأدوية والأجهزة فقط، بل نرسل مندوبين ليتم تدريبهم وتأهيلهم لضمان استعمال الأدوية والأجهزة بالشكل الذي يحقق الفائدة، كما نستقبل الطلاب من الخارج ليتم تدريبهم في المستشفى بالإضافة إلى أطباء من مختلف المؤسسات بالدولة، وفيما يتعلق بالجانب العلاجي نرسل التقارير إلى جامعات في ألمانيا وإيطاليا ويتم تزويدنا بالأدوية لتجربة جدواها.

أما بالنسبة للحالات التي تخضع لترميم الريش، فهي ناتجة عن انكسار الريش الذي يؤثر على قدرة الصقر على الطيران، والتي يتم علاجها عن طريق استبدالها بريشة جديدة تتوفر فيها شروط معينة، كالحجم والطول والتركيب. إلى جانب ذلك يتولى المستشفى الإشراف على الفحوصات الروتينية للصقور المشاركة في البطولات والسباقات وتوفير الفيتامينات اللازمة لتنشيطها وتحفيزها على الطيران.

أنواع الصقور

تُصنف الصقور إلى عدة أنواع، أهمها (الشاهين) الذي يتراوح وزنه بين 800 و900 غرام و(الحر) الذي يُعد أكبر حجماً يصل وزنه إلى 1600 غرام و(الجير)- الذي يُعد الإقبال إليه الأعلى بين جميع الأنواع- و(القرموشة) و(التبع)، ويتم تحديد سعر الصقر نسبةً إلى نوعه وحجمه ولونه وحالته الصحية ونسبة تواجده.

ويرى المهيري إلى أن هناك أموراً عدة يأخذها الصقّارون في عين الاعتبار عندما ينوون اقتناء الطير، منها استدارة الأجنحة وسرعة الطيران، كما أن للتدريب أثراً على أداء الطير وسرعته والتجويع كذلك، والصقار الماهر هو الذي يطعم طيره بما يحقق له القدرة على الطيران ويحرص في الوقت ذاته على تجويعه ليتمكن من الصيد، وتتناول الطيور وجبة أو وجبتين يومياً تتنوع بين اللحم الطازج والحمام والفروج والسمّان، وقد يتسبب الوزن الزائد في إصابة الطير بالخمول، وعزوفه عن الصيد، وأحياناً أمراض طفيلية داخلية في الفم.

ويؤكد المهيري على أن جهود سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي في الاهتمام برياضة الصيد بالصقور تشكل دافعاً كبيراً للشباب للإقبال على اقتناء الصقور والعناية بها، كما أن مبادرته في تنظيم بطولات الصيد بالصقور أسهمت في المحافظة على هذه الرياضة من الاندثار.

خبرة الأجداد

قال المهيري: إن خبرة الأجداد في علاج الصقور كانت رائدة، وسبقت الطب الحديث في وقت لم تتوفر فيه الإمكانيات اللازمة، ولعل أبرز المفارقات التي صادفتني في عملي بالمستشفى عندما جاء أحد الصقارة بطيره المصاب بدود في الحوصلة، أُعطي على أثره حبوباً علاجية ولكنها لم تجد نفعاً، فلجأ بعدها صاحب الطير إلى الاستعانة بالماء المذاب فيه الخيل «نوع من الأدوية الشعبية» على شكل جرعات دوائية استمرت 20 يوماً شفي بعدها الطير».

علاجات متخصصة

يقدم مستشفى الصقور خدمات عدة، بدءاً من الاستشارة المتعلقة بصحة وسلامة الصقور، إلى الفحص العام والتشخيص المبكر للمشاكل الصحية مثل فحص البراز للطفيليات الداخلية، وتسهيل الإجراءات الطبية مثل التطاعيم الخاصة بمرضين فيروسيين شائعين هما نيوكاسل والجدري، إلى جانب خدمات أخرى يقدمها قسم الأشعة تشمل فحص موقع ودرجة كسر العظم، والكشف عن الأمراض في الأعضاء الداخلية.

ويُضاف إلى ذلك خدمات أكثر تخصصاً كجراحة الأنسجة الرخوة وجراحة العظام من خلال ترميم الجروح الذي يتم عن طريق التخدير ثم الجراحة وخياطة الجرح والتضميد، كما يقدم المستشفى خدمات طبية أخرى كالتنظير المستخدم لتشخيص أمراض مثل داء الرشاشيات الفطرية والشوكة المنشارية، وبعض الإجراءات المتبعة لعلاج حالات ترميم الريش والتقليم وتثبيت جهاز الإرسال على الذيل.

أمل الفلاسي