نكمل اليوم الحديث عن زيارة اللورد كيرزون نائب ملك الهند في عام 1903م التي كان من نتائجها بسط النفوذ الكامل على منطقة الخليج ودفع التحرك الروسي في المنطقة الذي أثار حفيظة بريطانيا وقامت بحياكة كل الخطط لإخراجهم من الخليج بكل السبل المتاحة لهم ولنا لقاء آخر معكم سنتحدث فيه عن النفوذ الروسي وكيف نجحت بريطانيا في تعجيل رحيله إلى ما شاء الله تعالى أن يكون بعيدا . يقول لوريمر واصافا زيارة اللورد :
الشارقة في 21 نوفمبر
وفي وقت مبكر من اليوم التالي وصلت السفن إلى مرسى على مشارف الشارقة الا أن ضحولة الماء منعت الاسطول من الوصول إلى الشاطيء وكان كل مايمكن مشاهدته من ظهر السفن هو ساحلا واطئا على حافته أشجار النخيل وخطا من الابنية الصفراء ولم يطلق الاسطول أي طلقات تحيّة عند وصوله نظرا لبعد المسافة بين سفن الاسطول والشاطيء إذ كانت حوالي خمسة أميال من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه لايوجد عند شيخ الشارقة مايرد به على أي تحية وقد أدى تدحرج الموج المتلاطم الآتي من الشمال الغربي إلى بعض التغيير في البرنامج المقرر.
وكان شيوخ عمان المتصالحة قد تجمعوا باشراف من السيد «جاسكين» مساعد المعتمد السياسي في البحرين على ظهر مركب دائرة التلغراف الهندية الاوروبية «باتريك ستيوارت» وكان حاضرا أيضا العميد '«كيمبول» الذي توجه من مسقط رأس إلى هنا على ظهر الطراد « لورنس».
ولم يبق الا الانتظار ريثما يعتدل الطقس حتى تتخذ الترتيبات للاحتفال المزمع إقامته هناك ، وأخيرا تم نقل شيوخ عمان المتصالح إلى ظهر السفينة «ارجونوت» ورغم أن أجدادهم كانوا من القراصنة ولصوص البحر فانهم قاسوا بشدة من دوار البحر على ظهر المركب «باتريك ستيورات» .
(قلت : هذا من الكذب الواضح على شيوخنا لأمرين: أولا : شيوخنا لم يكونوا قراصنة أو لصوصا، ولكن المعتدين الانجليز هم القراصنة واللصوص وكما قيل «رمتني بدائها وانسلت » . ثانيا : أهل الخليج هم أعرف الناس بالبحر وركوبه فكيف يصيبهم دوار البحر !! .)
وفي «ارجونوت» أعد على السطح قاعدة استقبال بنفس الطريقة التي كانت عليها في مسقط كما حضر إليها ايضا عدد من الرؤساء الذين يقطنون في الشارقة على ظهر قارب بخاري اما مشاهدو الاحتفال من الانجليز فقد تم نقلهم من سفن الاسطول الاخرى الى السفينة بكثير من المضايقة نظرا لصعوبة البحر.
اما أمير البحر ونائب الملك فقد وصلا بسلام وقدمت لها التحية اللائقة في هذه المناسبة وفي الساعة الثالثة والنصف بدأ الاحتفال الذي كان مشابها الى حد كبير للاحتفال الذي اقيم في مسقط وكان جميع الضباط في زيهم الرسمي الكامل، الا أن المكان الذي يقع على يمين نائب الملك في المنصة احتله المقيم السياسي والسير آرثر هاردينج الذي جاء من مسقط رأسا الى «بندر عباس» للاعداد لرحلة الاسطول الوشيكة أما على اليسار فجلس القائد العام وأركان حربه وحضر الاحتفال أيضا حرس شرف وجوقة موسيقة من البحرية البريطانية.
أما الشيوخ الذين حضروا شخصيا فكانوا الشيخ زايد شيخ أبوظبي ومعه ولداه، والشيخ صقر شيخ الشارقة ، والشيخ مكتوم شيخ دبي ومع كل منهما أحد أبنائه والشيخ عبدالعزيز شيخ عجمان بمفرده حيث كان ابنه مريضا، والشيخ أحمد شيخ أم القوين وهو شيخ كبير هرم توفي بعد عدة شهور.
وقد قدمه ابنه راشد الذي خلفه في المشيخة ولم يدع الى هذا الاجتماع شيخ الحمرية الذي ادعى لبعض الوقت استقلاله عن الشارقة ولم تعترف له الحكومة البريطانية بذلك وكان جميع الحضور من الشيوخ من المتقدمين في السن او متوسطية وقد اثار طابعهم المتسم بالعزة والاباء ومظهر اتباعهم الرجولي ملاحظة الجميع وبعد ان قدموا إلى نائب الملك رسميا قام هذا والقى فيهم خطابا باللغة الانجليزية كان في جوهره موجزا لتاريخ بريطانيا في المياه العربية من الخليج خلال القرن الماضي وجاء فيه ما يلي:
رؤساء ساحل العرب الذين تربطهم علاقات معادهات مع الحكومة البريطانية، انني أتيت إلى هنا كممثل للسلطة البريطانية في امبراطورية الهند العظيمة التي عرفتموها انتم وآباؤكم وأجدادكم وتعاملتم معها منذ أكثر من مائة سنة، وهدفي ان أعطيكم الدليل على ان الحكومة لم تنسكم مع انكم تعيشون على بعد من الشواطئ الهندية، بل انها تتمسك بسياسة الوصاية والحماية التي وفت لكم بها الأمن، وضمنت لكم فيها حقوقكم، خلال أفضل فترة من القرن المذكور، ولأريكم ان أول نائب للهند يزور هذه المياه لم يتركها دون ان يبحث عن فرصة الاجتماع بكم شخصيا وتجديد التزكيدات والالتزامات التي تربطنا منذ مدة.
أيها الرؤساء: وفضلا عن هذه العلاقات التي تنشأ كما ذكرت لكم والتي كانت برضاكم أنتم ، أقامت الحكومة البريطانية وصايتها على السلم بين القبائل، فقد نمت روابط سياسية بين حكومة الهند وبينكم، وأصبحت الحكومة البريطانية بمقتضاها سيدة عليكم وحامية لكم فما عاد لكم علاقة بأية دولة كبرى أخرى غيرها.
وان كل واحدة من الامارات المتصالحة التي ترتبط بعضها مع بعض يعرف كما تعرفون أنتم انه لا يسمح بالدخول في أي اتفاق أو اتصال بأية دولة أخرى، ولا بوجود معتد لأية حكومة أخرى، كما لا يمسح بالتخلي عن أي قسم من مقاطعاتم، وان هذه الالتزامات ملقاة على عاتقكم جميعا.
ويجب الوفاء لها باخلاص كما ان هذه الالتزامات ذات تأثير بين الحكومة البريطانية والرؤساء ما داموا يراعونها بكل امانة. وفي هذه الحالة فهم جديرون بأن يطمئنوا الى انه لن يتسنى لاحد العبث في حقوقهم او التعدي على حريتهم.
وان . ونحن الذين حافظنا على من انقضاض جيرانكم عليكم، وفتحنا ابواب هذا البحر لسفن جميع الامم ومكنا اعلامها من ان ترفرف فوقه بأمن وسالم، ولم نقم بالاعتداء او امتلاك مقاطعاتكم، ولم نحطكم استقلالكم بل حافظنا عليه ولانريد ان نهمل قرنا كاملا من الجهد الغالي المنتصر ولا ان نزيل هذه الصفحة السمحة من التاريخ، ولذا يجب ان يبقى السلام فيد هذه المياه وعندها سيبقى استقلال كمن دون ان يمسه احد، ويجب كذلك ان يبقى تفوق نفوذ الحكومة البريطانية على نفوذ غيرها.
وبعد ان قرأ السيد «جاسكين» الموظف السياسي المساعد في البحرين ترجمة عربية لهذا الخطاب، وزعت عليهم هدايا حسنة اذ تسلم كل شيخ منت الحضور سيفا من يد نائب الملك بالاضافة الى ساعة ذهبية وسلسلة وبندقية صيد.
واعطيت بندقية لك من ابناء الشيوخ الحاضرين ولما كان شهر رمضان قد بدأ فلم تقدم المرطبات ثم انتهى الاحتفال واتخذ نائب الملك وقائد الاسطول العام والشيوخ طريقهم بالتتالي مغادرين السفينة «آر جونتون» التي اطلقت التحية المدفعية لكل منهم حسب رتبته وهو يغادر السفينة. وفي المساء غادر نائب الملك الشارقة متوجها الى بندر عباس ومعه الاسطول.
