منذ سنوات قمت بزيارة لمدينة الهفوف التي تقع في منطقة الأحساء وقد تفضل علي الوالد الشيخ الأديب أحمد بن علي آل مبارك بدعوة إلى منزله العامر وأخبرني عن قصة رحلته في طلب العلم حيث قدم إلى أبوظبي ثم دبي ثم تابع رحلته الشاقة والممتعة في آن واحد لطلبه حتى حصل منه على ما يريد ولم تثنه الصعوبات عن مراده.
وقد ذكر لي في معرض كلامهأنه ركب في سفينة بخارية تعرف خلالها على بريطاني يعمل في مجال البترول حيث كانت الاستكشافات البترولية في بدايتها وكان هذا الرجل يتنقل بين البصرة وأمراء الخليج لهذا الغرض يقول الشيخ أحمد : لقد أعجبت به وبحسن أخلاقه وبتمسكه بالدين فقلت : أي دين ؟
قال : الإسلام لقد كان متمسكا بتعاليم الاإسلام أكثر من كثير من المسلمين . فقلت له : ما اسمه ؟ فقال : عبدالله ، فشكرته على حسن ضيافته وطفقت أبحث عن هذا الرجل ولكني لم أجد عنه شيئا يذكر وكم كانت سعادتي عندما وجدت كتابا يحوي بعضا من مذكرات هذا الرجل الذي أعجبت به من دون أن أعرفه ، هذا الكتاب عنوانه « رحلة إلى الخليج العربي» من تأليف الحاج عبدالله وليمسن وترجمة الدكتور سليم أحمد خالد يقول الناشر :
الحاج عبدالله فاضل الزبير أو الزبير أو المسلمان إنجليزي الأصل يدعى «وليم ريتشارد وليمسن». ولد في مدينة بريستول بإنجلترا سنة 1872 وله أربعة من الأبناء ثلاثة ذكور وبنت تزوجت وماتت، أما زوجته فهي من العراق تزوجها في المنتفك عندما كان في معية الشيخ (ناصر السعدون).
وعندما تقاعد كان راتبه التقاعدي 25 ديناراً منحته إياه شركة «دارسي» ولم يترك أية ثروة بل ترك ديوناً كثيرة، كما كان مسلماً متديناً لا يترك فريضة من الفرائض ولا واجبا من الواجبات الدينية، كما كان يحفظ أكثر من ثلثي القرآن الكريم، إن الحاج عبد الله كان إنجليزياً عريقاً من كبار المستشرقين وكانت له اليد الطولى في الحصول على امتيازات النفط في الخليج العربي وإيران والعراق.
طاف هذا الرحالة العالم وهو صغير على ظهر بعض البوارج وشارك القراصنة حياتهم ومغامراتهم ثم هبط في الشرق الأوسط فاعتنق الإسلام وخالط البدو وعاش بين ظهرانيهم سنوات عديدة وسافر إلى مكة المكرمة فأدى فريضة الحج ثم استقر في الناصرية لدى آل السعدون وتزوج هناك وغدا وكأنه واحد منهم. وبعد مغامرات عديدة قام بها خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها استقر في «كوت الحجاج» بالبصرة مع زوجته وأولاده حتى وافاه أجله فيها..
وقد ذكر الرحالة الإنجليزي «ستانتون هوب» في كتابه الذي وضعه عن الحاج عبدالله وليمسن - وهو حسبما نعلم الكتاب الوحيد الذي كتب عنه - بعنوان «مغامر عربي» أن اللفتنانت كولونيل سر أرنولد تالبوت نلسون الحاكم العسكري العام في العراق والمقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي من سنة 1918 إلى سنة 1920م.
أن ولسون هذا طلب إلى الحاج عبدالله وليمسن أن يدون مغامراته لأنها كانت في نظر ولسون لاتزال ذات فائدة لبريطانيا، وقد شرع عبدالله في كتابة مذكراته وملاحظاته عن تلك المغامرات، ولكن حريقاً أصاب خيمته فأتى على تلك المذكرات، وقد تخلى عبدالله بعد ذلك عن فكرة تدوين مذكراته.
وقد قام الحاج عبدالله بجولات كثيرة في الخليج للبحث عن منابع النفط ما بين 1925-1937م قد ذكر بعضها الحاج في مذكراته ومع أن هذه الجولة كانت بالغة الخطورة بأهدافها ونتائجها، إذ إنها مهدت للشركات البريطانية أن تضع يدها منذ ذلك الوقت على منابع النفط في البلدان الواقعة على الخليج العربي.
إلا أن الوريقات القلائل التي دون فيها عبد الله بعض وقائع تلك الجولة لا يمكن أن تشفي غليل الباحث عن الحقيقة التي ما تزال مجهولة، حقيقة المناورات التي قام بها الحاج عبد الله واستطاع عن طريقها أن يقنع شيوخ الكويت ومسقط وعمان وأبوظبي والشارقة على اتفاقيات البحث عن البترول في بلادهم وخص الشركات الإنجليزية وحدها بهذه الامتيازات. ولم استطع العثور على أكثر من هذه المعلومات وسأذكر بعض ما جاء في مذكراته في حلقات قادمة إن شاء الله.

