للأماكن رائحة وتاريخ وذكريات كالبشر، وهي تعبر عن وجودها بصخب فتحتضن القادمين إليها وتودع الراحلين عنها، وتهجر فتشيخ وتذوي، ثم تنهض من الرماد لتستعيد أناقتها، وهكذا هي المدن والواحات والمقاهي والأسواق،فكم من سوق قديم هجره أهله نحو المباني الكونكريتية الحديثة فلم يبق منه سوى الذكريات.
لكن أسواقا قليلة تمسكت بالحياة وتمكنت من فرض حضورها وتجدد حركتها، وسوق العرصة الذي تأسس منذ 180 عاماً في الشارقة يعد نموذجا للأماكن التي يحييها تواصل الناس معها وتستعيد بهجتها بحكايات ماضيها، فالسوق الذي يقع قريبا من البحر بين بيت النابوذة ومجلس النابوذة احتفل بالقادمين من رؤوس الجبال ومن عمق الصحراء حاملين بضائعهم وخيرات مناطقهم ليبيعوا ويشتروا ما تحمله السفن إلى السوق من بضائع مختلفة.
والداخل إلى السوق يشعر وكأنه يدخل بيتا أليفا عرفه منذ زمن، فالمحال التي صممت وفق الطراز المعماري التراثي القديم، والأجواء الهادئة التي تميز أزقته عكس ما عرفت به الأسواق من صخب، جعلته أقرب إلى المساكن القديمة منه إلى مفهوم السوق، فضلا عن أبوابه التسعة التي تغلق في الليل لحماية محلاته التجارية التي احتوت تحفا ومواد ثمينة بقيمتها الفنية والتراثية.
بضائع متنوعة
والعاملون في السوق من أهله اختلفوا عن أبناء الماضي الذين عاشوا في السوق القديم وعرفوا أيامه القديمة، فأبو بكر صديق شاب آسيوي يبيع الأدوات المصنوعة من الخيزران وهو يأتي ببضاعته من تايلاند يقول: (نبيع أشياء مختلفة مثل السلال والأقفاص والتحف المختلفة، وينشط موسم البيع مع بداية شهر ديسمبر وحتى نهاية ابريل لأن عدد السياح يكون كبيراً في ذلك الوقت فيعتمد السوق عليهم في تسويق بضاعته)
أما عبدو عبد الله خالد فيبيع الحلي الفضية القديمة والسجاد وهو يذكر أن المحل لوالده فيقول: ( فتح والدي هذا المحل في السوق منذ خمسة عشر عاما وفي السنتين الأخيرتين صرت أنا الذي أدير شؤونه في حين يأتي الوالد من وقت لآخر.
ونبيع في المحل أنواعا مختلفة من التحف والأواني النحاسية الأفغانية، والحلي الفضية والأحجار الكريمة التي نأتي بها من اليمن إضافة إلى أنواع السجاد الإيراني والأفغاني والهندي، لكن السوق له مواسم محددة وهو غالبا يعتمد على زيارة السياح الأجانب، ونحن نعاني من قلة الترويج الإعلامي للسوق على الرغم من أهمية محتوياته وتاريخه الطويل).
ويضم السوق مواطنين من أهله قرروا أن يستقروا فيه وأن يكون مكان عملهم في السوق الذي ألفهم وألفوه حيث يقول الحاج إبراهيم فرج محمد ( بدأت العمل في السوق منذ عام 1995 حيث أبيع مجسمات السفن الخشبية بأشكالها وأحجامها المختلفة.
إضافة إلى مجموعة من المناديس التراثية، لكن السوق ليس بأفضل حالاته لأن البيع قليل، وما نبيعه ليس طعاما أو لباسا يضطر الناس إلى شرائه، وإنما تحف ومواد تعتمد على رغبة المشتري في اقتنائها، وعملنا يعتمد على قدوم الباصات التي تحمل وفود السائحين، وكثير من السائحين يأتون للفرجة فقط فهم يتجولون ويلتقطون الصور ويذهبون، وكثير من الناس يقولون إن الدعاية والإعلان عن السوق ستفيده وأعتقد أن هذا الأمر صحيح فلا توجد إعلانات حقيقية أو مهرجانات خاصة بالسوق وما يحتويه).
الدخول إلى المغارة
وخلال التجول في السوق كانت أشكال البضائع وأنواعها مبهرة حتى ليشعر المرء أنه يدخل مغارة علي بابا بما فيها من كنوز متنوعة وكان محل محمد ناصر يوسف ( أبو أحمد) أحد تلك الكنوز التي يمكن أن ترى فيها ما لم يخطر على بالك، فقد اشتمل المحل على أنواع مختلفة من التحف من شتى بلدان العالم إضافة إلى العملات والنياشين والأسلحة القديمة، وحتى لوحات السيارات وأرقام البيوت القديمة.
ومن الأمور الثمينة التي وجدناها هناك حجر فيروز يزن 60 كيلو غراما أحضره أبو أحمد من ايران، والرجل الذي ملأ محله بمختلف التحف والأشياء القديمة وجعل منه متحفا ثريا استخدم محلين آخرين لخزن مواد أخرى لم يتسع لها المحل.
ويتحدث أبو أحمد عن سوق العرصة قائلا : يبلغ عمر هذا السوق أكثر من 180 عاما، وهو أقدم سوق في الدولة ولم يكن في الماضي سوقا للتحف، فقد كان لتبادل مختلف المواد الغذائية كالرز والدقيق والعسل، إضافة إلى الأقمشة والمواد المنزلية.
حيث تأتي البضائع عن طريق السفن من عمان والهند وباكستان وإيران ويأتي الناس من المناطق الجبلية ليشتروا ما يحتاجون إليه ويبيعون محاصيلهم من الرطب والبسر واللوز إضافة إلى الفندال واللومي والهمبة التي تأتي من عمان.
ويأتي أهل الصحراء بالفحم وحمايل الحطب إضافة إلى بطائح الغنم والأبقار والمواشي لبيعها في السوق، وكان هناك عدد من الخياطين، حيث كان الناس يقبلون على شراء الأقمشة وخياطة الملابس في الأعياد وعلى الرغم من الحالة المادية الصعبة فقد كان الناس يهتمون بشراء ملابس العيد للأطفال.
دلال جويد
