ما أن تلج دار المسنين بعجمان حتى تختلج بدواخلك عظمة الأبوة ما يهيج مشاعرك وعواطفك فتقف إجلالاً وإكراما إلى أولئك الآباء الذين جسدوا ملحمة البقاء والاستمرار وجعلوها دروساً عميقة للأجيال على مر العصور في الصبر والجلد والحكمة والتدبر واستشراف المستقبل.
فبين هجير الصحراء وجفافها وبين هياج البحر وهديره استطاع أولئك المسنون أن يقهروا المحال وأن يطوعوا الصحراء كي تحتضنهم بيسر، وروضوا البحر وجعلوه وديعاً معطاءً يجود لهم بمكنوناته، وعطروا الماضي بسيرهم الطيبة وبنوا الوطن وقدموا الكثير له، وربوا فلذات أكبادهم فمنهم من يعتلي مناصب عليا ومنهم من يحمل شهادات في مختلف ضروب العلم.
عندما تنظر مليئاً إلى أولئك الآباء ينفطر قلبك عندما يرمقوك بنظراتهم ولسان حالهم يقول لماذا نحن هنا؟ ومن أتى بنا إلى هنا؟ وهم يسعدون كثيراً عندما يزورهم أي شخص خاصة من أقربائهم.
حينها يخطر ببالك الآية الكريمة: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً).
فيا ترى أين أبناء هؤلاء الآباء الذين هم في أشد الحاجة إليهم وها هي اللحظة التي ينتظر فيها الآباء من أبنائهم أن يراعوهم ويردوا لهم ما قدموه، ويجب على أسر أولئك الأبناء أن يقوموا بزيارتهم بصورة دورية حتى يشعروا بحنو الأبوة ودفء العائلة .
وهذا أبسط حقوقهم تجاه أسرهم لأن مثل تلك الزيارات تتيح لهم الفرصة للقاء الآخرين وتبادل المعلومات والذكريات التي تكسر حاجز الملل لديهم وتخرجهم قليلاً عن الصمت وتنسيهم العزلة التي يعانونها.
هموم وخواطر
تحدثنا مع الوالد إسماعيل فرج نزيل بدار رعاية كبار السن بعجمان ليطلعنا على همومهم ومشاكلهم وعن حياة أيام زمان فقال: الحمد الله نحن هنا مستأنسون وعيالنا ما قصروا معنا ويلبون طلباتنا ليل ونهار.
وأضاف: أيام زمان زينة، وكنا نتواصل ونزور بعضنا بعضاً ونسأل عن حال الجار ونفقده.. وأردف قائلاً: كنا في الفريج نقوم بتنظيف بيوت الله كل جمعة فنقسم أنفسنا إلى مجموعات كل مجموعة تتكون من عشرة أشخاص وفي الصباح الباكر تقوم المجموعة التي عليها الدور بتنظيف بيت الله.
وبعد الانتهاء من أعمالنا نذهب إلى بيوتنا لنكون جاهزين لأداء صلاة الجمعة.. ويحدثنا الوالد فرج عن مهنة أيام القوة والشباب فيقول: كنت صياداً ماهراً أركب البحر منذ صغري أغوص بحثاً عن اللؤلؤ متنقلاً بين دول العالم المختلفة من الصومال إلى زنجبار ومن الهند إلى الكويت والبحرين.
وأوضحت ليلى الزرعوني مديرة دار رعاية كبار السن بعجمان أن المسنين يمارسون الكثير من الفعاليات والمشاركات التي تقيمها الدار بصورة دورية وذلك من خلال السماح له بإبداء الرأي والاشتراك في الأنشطة الترفيهية والرياضية والاجتماعية العائلية .
حيث تؤثر هذه الأشياء إيجاباً في حياته على صعيد تغيير نمطه اليومي وتجنيبه الملل، كما أن الحركة التي تتطلبها تلك الأنشطة تحافظ على حيويته وأكدت أن المسنين يعدون فئة مهمة من فئات المجتمع ولا بد من إشعارهم بأن دورهم في الحياة لم ينته ومازالوا قادرين على العطاء وفاعلين ومؤثرين فينا ولا تزال الكلمة كلمتهم والمشورة مشورتهم.
عناية تمريضية ورعاية نفسية
ليلى الزرعوني مديرة دار رعاية كبار السن بعجمان أكدت أن هناك الكثير من الفعاليات والمشاركات التي تقيمها الدار بصورة دورية وتهدف من خلالها إلى جعل للمسن يمارس دوراً يملاً به حياته ويمنحه الإحساس بقيمة وحاجة الآخرين إليه،أن أخر فعالية نظمت بالدار وهي (مساجدنا مظهر حضارتنا) أتاحت لكبار السن المشاركة في تنظيف المسجد الكائن بالدار.
فقاموا بتنظيف المصاحف وهذا الأمر بدوره يشعرهم بأهميتهم وأنه يمكنهم العطاء والمشاركة في كافة الأنشطة. وأضافت أن دار المسنين بعجمان يوجد بها 11 مسناً خصص لهم طبيب مقيم وأخصائي علاج طبيعي وأخصائية اجتماعية وكذلك نفسيه ومشرفة وطاقم تمريض كامل ومعاونين، تقوم الدار بتوفير العناية الكاملة لهم وتقديم كافة متطلباتهم وذلك برعايتهم وتقديم أفضل الخدمات إليهم.
عصام الدين عوض
