«لقد كانت تلك الأيام الأصعب التي عشتها أنا وأسرتي انتظاراً لنتائج الفحص الطبي للخادمة التي جاءت للعمل بطرفنا منذ أسبوع من إحدى الدول الآسيوية، حيث أبدت إحدى الصديقات لزوجتي عن مخاوفها لجهة احتمال أن تكون الخادمة مصابة بمرض معدٍ، مستشهدة بحادثة مشابهة مع أسرة تعرفها عانى بعض أفرادها من مرض معدٍ نقلته إليهم الخادمة التي كانت قد وصلت للعمل لديهم حديثاً ولم تكن قد باشرت بإجراءات الإقامة التي تستلزم إنجاز فحص اللياقة الصحية.

ويضيف عمار الحوسني بأن الأيام التالية لبروز هذه الفكرة «الهاجس» كانت قاسية للغاية فقدت معها الأسرة الاطمئنان والسكينة في انتظار نتائج الفحص الطبي، الذي جاء بحمد الله ليؤكد على اللياقة الصحية للخادمة». حكاية عمار الحوسني كانت الأولى التي استمعنا إليها حول التبعات والمخاطر الصحية والمالية التي قد تترتب على دخول العامل للدولة وبدء عمله لدى كفيله دون التأكد من لياقته الصحية، مع احتمالات أن يقوم هذا العامل بمخالفة شروط الإقامة . ويعمل لدى أخرين بشكل غير قانوني وبالتالي عدم التزامه بإجراء الفحص الطبي، ما يفتح الباب واسعاً على نشر أمراض معدية لدى السكان، هذا على الصعيد الصحي، وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي فإن المسألة هنا تشمل الجانبين..

العامل القادم للعمل، وأجهزة الدولة التي سيعمل بها، وفيما يخص العامل فإنه حتى يصل إلى أراضي الدولة للعمل يكون قد استنزف مالياً. بل ورتب عليه ديوناً كبيرة يأمل بأن يستطيع سدادها لدى بدء عمله، ولكن صدمته تكون قاسية جداً عندما يتبين أنه غير لائق صحياً وبالتالي عودته من حيث جاء وانكسار الحلم، وفيما يتعلق بالدولة فإنها مضطرة لتخصيص أجهزة وإدارات عديدة تعج بالموظفين لمتابعة فحص العمالة الوافدة، ومتابعة أوضاعها في حال ظهور حالات مرضية بينها تتمثل بالعلاج أو العزل ومن ثم تسفيرها إلى بلدانها الأصلية..الجازية محمد موظفة.. تروي تجربة صعبة في هذا الإطار عندما ظهرت بوادر مرض صدري لدى السائق الذي وصل حديثاً من إحدى دول شرق آسيا للعمل لديهم، وكانت إجراءات الإقامة له قيد الإنجاز ومن ضمنها الفحص الطبي، وأشارت إلى أنها قامت باتخاذ إجراء فوري بإيقافه عن العمل ومنع الأولاد من الاقتراب منه إلى حين ظهور نتائج الفحص.

وقالت (شيماء علي) موظفة.. بأنها بادرت باتخاذ إجراءات احترازية فورية لدى وصول الخادمة حيث قامت بإجراءات عزل وقائية وضعت من خلالها الخادمة في غرفة بعيدة عن احتمالات الاختلاط مع بقية أفراد الأسرة، كما أنها لم تسمح لها ببدء العمل إلا بعد ظهور نتائج الفحص الطبي لها والتأكد من سلامتها الكاملة.

الدكتور علي المرزوقي مدير شؤون الصحة العامة في دائرة الصحة والخدمات الطبية بدبي أكد على ضرورة البدء بتطبيق مشروع العيادات الطبية المعتمدة في الدول المصدرة للعمالة أسوة بالعديد من الدول الخليجية درءاً للأخطار المحتملة التي قد يتسبب فيها وصول عمال مصابين بأمراض معدية إلى ارض الدولة ويجري اختلاطهم مع أفراد الجمهور ونقل العدوى إليهم، مشيراً الى أن عملية اكتشاف بعض الأمراض مثل السل الرئوي تحتاج الى 10 أيام للتأكد من المرض.ولفت الدكتور المرزوقي الى عدم توفر أماكن عزل لمرض السل الرئوي الأمر الذي يجعل عودتهم للتعايش مع كفلائهم سواء كانوا شركة أم أسرة ما يفتح الباب واسعاً لانتشار المرض.

وأوضح بأن اعتماد عيادات طبية من قبل وزارة الصحة لدى الدول المصدرة للعمالة سيؤدي الى تقليل التكاليف على جميع الأطراف وبشكل خاص العامل الوافد الذي قد يدفعه ظهور المرض لديه. وبالتالي تسفيره الى بلده لمخالفة قانون الإقامة وما يعنيه ذلك من مخاطر انتشار للعدوى تصعب السيطرة عليها.

في حين يؤكد الدكتور عبد الغفار عبد الغفور الوكيل المساعد للطب العلاجي في وزارة الصحة .ومن وجهة نظر أقرب الى الشخصية منها الى الرسمية، قال الدكتور عبد الغفور بأن هذا الموضوع تحيط به العديد من المحاذير أهمها تتمثل في من هي الجهة التي تملك سلطة الرقابة والإشراف على هذه العيادات.

وقال الدكتور محمود فكري الوكيل المساعد للطب الوقائي في وزارة الصحة بأن مشروع اعتماد عيادات طبية من قبل الوزارة لدى الدول المصدرة للعمالة لإجراء الفحص فيها قبل قدومهم للدولة، هذا المشروع يحتاج الى دراسة معمقة لمعرفة الجهات التي ستقوم هناك بالفحص .. هل هي حكومية أم خاصة. إحصائيةأشارت الإحصائية الصادرة عن وزارة الصحة للعام 2005 الى أن إجمالي عدد العمال الذين ثبت عدم لياقتهم الصحية قد بلغ 3821 عامل من المجموع الإجمالي الذي تقدم للفحص والبالغ 760446 عامل.

وأشارت الإحصائية الصادرة عن منطقة دبي الطبية للعام الماضي الى أن عدد العمال الذين تقدموا للفحص الطبي وثبت عدم لياقتهم الصحية بلغ 986 عاملاً من المجموع الإجمالي الذي تقدم للفحص والبالغ عددهم 237808 عمال.

مشروع العيادات المعتمدة: أكد حميد القطامي وزير الصحة والذي كان قد أشار مطلع العام الحالي في مداولات المجلس الوطني الى وجود نقص في أماكن العزل للمرضى بأن مشروع اعتماد عيادات متخصصة لدى الدول المصدرة للعمالة سيتم إصداره أواخر العام الحالي. لافتاً الى وجود مشاورات جدية حالياً بشأنه مع المكتب التنفيذي لوزراء الصحة العرب. وأوضح بأن هذا المشروع تجري دراسته بعناية فائقة لتجاوز المحاذير التي قد ينطوي عليها تطبيقه، متمثلة باحتمالات التلاعب بشهادات اللياقة أو الجهات المشرفة عليه.

الكشف المتأخر - التأشيرات السياحية جواز دخول المرض: أحد الأطباء في منطقة دبي الطبية (رفض ذكر اسمه) قال بأن المشكلة في هذا الإطار تتمثل في احتمالات دخول شخص مصاب بمرض معدي الى الدولة ولا يتم اكتشاف أمره إلا بعد مرور أسبوعين لظهور نتائج الفحص الطبي.مشيراً الى أن مشكلة أخرى تظهر في هذا الإطار تتمثل في عدم وجود عدد كاف من مواقع العزل للحالات التي تحمل أمراضاً معدية وذلك تمهيداً لتسفيرها إلى بلادها ما يجعل خطر نشر العدوى من قبل هذه الحالات المرضية وارد جداً كونها منخرطة في صفوف الناس في انتظار استكمال إجراءات التسفير.ولفت الى وجود قضيتين في هذا السياق تمثلان خطراً كبيراً.. تتمثل الأولى في إمكانية هرب العامل من كفيله ومخالفته لشروط الإقامة، وما يحمله ذلك من مخاطر بنشر عدوى محتمله لمرض قد يكون هذا العامل مصاباً به، والمسألة الأخرى تتمثل في الإمكانية المتاحة التي توفرها تأشيرة الدخول السياحية للدولة للعمل من خلال تجديدها بسهولة عبر الخروج والدخول لإحدى الدول المجاورة.وأشار الطبيب الى الجانب الإنساني للقضية والمتعلق بالتكاليف المترتبة على العمال الوافدين الى الدولة والذي يجعل من اكتشاف المرض بعد تكبدهم لهذه المصاريف نكبة كبيرة، كما أن الأمر هو ذاته بالنسبة للكفيل.

خالد اللوباني