كان يقال قديما: «إذا اشتريت بيتا فأنت تشتري جارا»، لأن علاقة الإنسان بجيرانه تكون أحيانا أكثر أهمية من علاقته بأقاربه بسب قرب السكن وسهولة التواصل، وربما كانت ذكرياتنا مع أبناء الجيران أكثر محبة ودفئا من أية ذكريات أخرى، لكن حال الجيران اليوم اختلف، فكثير من الناس لا يعرفون أي شيء عن جيرانهم ولا يهمهم ان يعرفوا إذ إن علاقة الجوار ليست في حساباتهم الاجتماعية.

فأين اختفت محبة الجيران؟ وكيف أغلقت الأبواب بيننا وبين جيراننا فلا نلتقيهم ولا نعرفهم ولا نزورهم؟

مشاغل العمل تبعد الجيران كثير من الناس يجدون أن مشاغل العمل والحياة باعدت بين الجيران فلم يستطيع الجار الالتقاء بجاره إلا إذا شاءت له الصدف بلقائه إما على الدرج أو في المصعد أو على الباب.

وأصبحت تمر المناسبات كالأعياد وغيرها كئيبة حزينة على الأسر تحاول الهروب من وطأة الوحدة فيها بالخروج إلى المتنزهات والملاهي للتعويض عن شيء من الاشتياق للعلاقات الأسرية الحميمة واللقاءات بين الأسر والجيران.

ولا يخلو الأمر من معاناة عند بعض الأسر من قبل بعض الجيران المزعجين حيث تقول سناء زكي: في الواقع عانيت من إحدى جاراتي على الرغم من لطفها حيث كنت أسكن في شقة صغيرة وأعمل طول اليوم وعندما أعود أحتاج إلى الهدوء والراحة في بيتي وغالبا ما يأتي زوجي بعد ساعة من عودتي.

فلم أكن أستطيع أن أحصل على وقت للراحة لأنها تطرق الباب علي بمجرد وصولي وأحيانا تحاول مساعدتي في البيت بطيبة كبيرة فلم أكن أستطيع التعبير عن امتعاضي ولا أجد الراحة في وجودها، لكنها انتقلت إلى سكن آخر فخفت علي وطأة زياراتها، وقررت عدم التواصل مع الجارات بشكل كبير لأني لا أمتلك الوقت الكافي لذلك.

أما سلمى جاسم فتقول: السكن في الشقق يجعل المساحات ضيقة حيث لا توجد فرصة لترك باب البيت مفتوحا لأن البيوت صغيرة وليس فيها خصوصية لذا لم نكن في البداية نلتقي جيراننا إلا في المصعد وحين سكنت هنا لم تبادر أي من الجارات إلى زيارتي، ولم أبادر أنا خوفا من عدم الرغبة بالتواصل، لكن أطفالي تعرفوا إلى أطفال الجيران وصاروا أصدقاء الأمر الذي قرب بيني وبين أمهاتهم حيث اكتشفنا جميعا أننا نرغب بالتواصل لكننا نخاف من رفض الآخرين.

الثقة أساس العلاقة

إبراهيم حسن يصف علاقته بجيرانه فيقول: (لم أتعرف على جيراني على الرغم من أني أسكن في شقتي منذ أربع سنوات، فهم من جنسيات مختلفة ولهم عادات وطبائع تختلف عنا، وأنا وعائلتي أتواصل مع بعض الأقرباء حيث نلتقي في العطل والمناسبات وأشعر أنه ليس من السهل الوثوق بأشخاص لا تعرف عنهم شيئا سوى أنهم يسكنون معك في البناية نفسها، لأن فكرة الجار تصلح في الأحياء التي يعرف فيها الناس أصل وفصل كل شخص، بينما تختلف الحالة تماما هنا، فلماذا أتواصل مع أشخاص لا أعرفهم).

ويؤكد سعيد الكعبي (أن طبيعة السكن أحيانا تحكم علاقات الجيران ففي المدن الكبيرة التي يعمل الناس فيها حتى ساعات متأخرة لا تستطيع أن تتواصل بشكل طبيعي مع الجيران، لكن أبناء القرى والمدن البعيدة يكونون أقرب إلى بعضهم فأبنائي تعودوا أن يتعاملوا مع الجيران وكأنهم أقاربهم، لأن هذا ما تربينا عليه نحن قبلهم، ومازال كبار السن في مناطقنا يتزاورون ويتواصلون حتى مع أهالي القرى المجاورة إذ يرون أن هذا واجب ولا يمكن تركه).

درس في التواصل

ويصف سالم الراوي تجربة مرت به قائلا ( حين سكنت في البناية كان هناك رجل آسيوي عجوز يسكن مع زوجته وأحيانا ألتقي به عند خروجي إلى العمل فيسألني عن أحوالي وتفاصيل حياتي ولم أكن أحب تلك الأسئلة لكني أقدر سنه وأحييه وأنصرف، وكان الموقف المؤلم الذي واجهني أنه غاب فترة عنا فلم أنتبه لغيابه أو أفتقده.

وعندما شاهدته بعد تلك المدة سلمت عليه فبادرني باكيا حيث تفاجأ بموقفي لأن زوجته توفيت وبقي مدة في المستشفى معها ووجدت نفسي أبكي إشفاقا على سنه وندما من كوني لم أسأل عن هذا الرجل الذي يسأل عني دائما فصرت أتواصل معه وأستفسر عن أحواله كلما غاب).

ويرى محمد الزبيدي أن مفهوم الفريج لم يعد واضحا لدى كثير من الشباب الذي سكنوا بعيدا عن مناطقهم الأصلية فليس هناك بينهم وبين الجيران تزاور أو علاقات حميمة كما كان أهلنا في السابق لأننا ابتعدنا عن هذا التواصل، بل إن أبنائي يقضون وقتا مع الكمبيوتر والانترنت أكثر مما يقضونه مع أصدقائهم.

علاقات جامدة

تقول الاختصاصية الاجتماعية نورة النقبي: كان التواصل الاجتماعي أكبر بسبب وجود الأسرة الممتدة التي تجمع عددا كبيرا من الأبناء والبنات والأقارب الأمر الذي يعزز العلاقات بينهم وبين محيطهم، بينما نجد اليوم أن الأسرة نووية صغيرة لا تضم ألا الزوج والزوجة والأطفال، الأمر الذي خلق تباعدا بين الأقارب وانعكس على الجيران، إضافة إلى أن انشغال ربة البيت بالعمل يمنعها من تأدية الواجبات الاجتماعية والتواصل مع المحيط، فكثيرا ما تكون المرأة العاملة مرتبطة بساعات عمل طويلة لا تعطيها الفرصة لمعرفة جيرانها أو التواصل معهم.

كذلك ارتباط الزيارات الاجتماعية بإحضار هدية جعلها تصبح أقل، ففي الماضي لم يكن هناك تكلف في الزيارات لأنها أكثر عفوية وألفة ويستطيع الناس التزاور في أي وقت من دون شروط، بينما صار الاتصال وتحديد موعد للزيارة أمرا ضروريا بين الناس.

كما أن تعدد الجنسيات الموجودة في البلد جعل الناس أكثر حرصا في التواصل وبناء العلاقات الاجتماعية، كما أن وجود مراكز التسوق وقنوات الترفيه والانترنت جعلت الكثير من الأسر تنكمش على نفسها ولا تجد التواصل مع المحيط أمرا مهما حتى أننا نجد أن بعض الأشخاص قد كون مجتمعات وأصدقاء افتراضيين في الانترنت يقضون معهم معظم الوقت.

دلال جويد