من منكم يعتقد إن عقوق الوالدين انتشر بصورة كبيرة في مجتمعنا؟ حسنا، سأرفع يدي أيضا، فضحايا العقوق يجدون طريقهم لإيصال قضيتهم إلى الرأي العام. إلا أن هنالك قضية أخرى أكبر من قضية العقوق ـ من منظوري الشخصي ـ مستشرية في المجتمع تخلف ضحايا صامتين لا يشتكون، ولا يعرفون السبيل لإيصال قضيتهم إلى الرأي العام، إنهم الأطفال.
فالطفلة التي أحرقتها زوجة أبيها بملعقة ملتهبة على مدار أسابيع حتى لفظت أنفاسها في المستشفى أخيرا لم تكن تعرف كيف تدافع عن حقها. جسدها الغض ذو السنوات الست كانت تملؤه آثار الحرق حتى في أماكنه الحساسة، وبمساعدة من أبيها مدمن الكحول الذي كان يطفئ سجائره في جسدها لمجرد طلبها رؤية أمها التي اشتاقت إليها. قد تتساءلون، وكيف لا يرفق أب بابنته؟ أما الجواب فهو أنه اختار أن يقدم ابنته قربانا لزوجته مقابل أن تدفع هي مصاريف الحياة بأكملها، فهو مدمن ولا يعمل.
أما الطفلة التي رأيتها بأم عيني تبكي متشبثة بحضن معلمتها في المدرسة رافضة الركوب مع السائق للذهاب إلى المنزل، كانت على ما يبدو أفضل حالا من سابقتها، فبالرغم من محاولات المعلمات إقناعها بالركوب إلا أنها كانت رافضة مجرد أن تلمس رجلاها الأرض، أما السبب كما قيل لي عندما استفسرت عنه فهو أن لديها زوجة أب، ولكم أن تتخيلوا بقية القصة.
والقصص بهذا الصدد كثيرة، فمن الأطفال من يتعرض للتحرش على أيدي مقربين منهم، ومنهم من تهدر كرامته جسديا أو لفظيا، ولكن ما يهمنا في هذه القضية الخطيرة هو كيفية توعية الأطفال بحقوقهم. فإذا كانت الإساءة للطفل تأتي من شخص يتوجب عليه تلقين الطفل حقوقه، فإن على جهات أخرى استلام تلك المهمة.
فالرقم الساخن 800700 والمتخصص بتلقي شكاوى الأطفال في الدولة فاعل ولكن، كم طفل يعرف بوجود ذلك الرقم ويحفظه؟ من المفترض أن يخصص وقت تقوم المدارس فيه بتلقين الأطفال حقوقهم وتعريفهم بوجود ذلك الرقم وتعليمهم متى وفي أية ظروف يتصلون به، كما من المفترض أن تقوم القنوات المخصصة للأطفال بإيصال ذات الرسالة إليهم وهم يقضون جل وقتهم في المنزل أمامها.
صحيح أن حقوق الإنسان مكفولة على أرض الدولة، طفلا كان أم بالغا، حسب الشرع والقانون والدستور، إلا أن الكثير من التجاوزات تقع على الطفل لأنه طرف ضعيف لا يعرف كيفية الدفاع عن حقوقه، ففي زمننا هذا الذي تطغى فيه المادة على العلاقات الإنسانية، لم تعد التشريعات وحدها تكفي لكبح جشع النفوس وتكفي نظرة سريعة على مجتمعنا الذي استشرى فيه عقوق الوالدين ولأن القضية موضوع مقال اليوم خطيرة، ولأنها بذرة العقوق وغيرها من المشاكل الاجتماعية التي نعاني منها اليوم، فإنني أدفعها إلى المجلس الوطني الاتحادي لبحثها وإيجاد حلول ناجعة لها.
