لعل النقلة الحضارية المعمارية التي نقلت الناس من الأبنية الممتدة إلى العمارات الشاهقة جرّت معها ضروريات لم تكن معروفة من قبل وولّدت نوافذ لتعارفات جديدة فرضها المكان، وأهم هذه النوافذ ما يعرف بالمصعد الكهربائي.

فلقد أصبح حاجة ملحة وضرورية، حتى أنه لا تكاد تخلو منه أية بناية متعددة الطوابق، بما فيها الأبنية الحكومية والمستشفيات، وأصبح له دور أيضاً في التقارب بين الجيران الذين يلتقون في هذه الغرفة المغلقة للحظات، فيتجاذبون أطراف الحديث، ويتعارفون فيما بينهم. مريم الحوسني موظفة استقبال بإحدى الشركات ترى أن المصعد الكهربائي أصبح احد أهم بصمات الحياة الحضارية التي نعيشها، وخاصة مع توجه معظم البنايات نحو الطوابق المتعددة والأبراج السكنية، في حين فقدت السلالم التقليدية دورها وأصبحت فقط للحالات الضرورية أو التنقل بين الطوابق المتقاربة، مشيرة إلى أن المصعد أصبح أشبه بغرف المنزل المصغرة لكنها لا تحتوي على أثاث، يلتقي فيها الجيران والزوار ويتعارفون فيما بينهم، يتجاذبون أطراف الحديث، وهو مصدر لكثير من العلاقات بين الجيران وحتى مع زملاء العمل إذ قد لا يلتقون إلا في المصعد الكهربائي، بسبب طبيعة الحياة العملية التي أصبحت تشغل فراغ الناس ولا تدع لهم فرصة للالتقاء والتعارف سوى في المصعد الكهربائي.

مفتاح للصداقات

وقالت لؤلؤة الدوسري موظفة علاقات عامة إن المصعد الكهربائي أصبح مكاناً للتعارف وأداة للتواصل بين الجيران والزملاء في البنايات السكنية والتجارية، وحلقة وصل هامة بين أفراد المجتمع، بعد أن انقطعت العديد من وسائل الترابط وأماكن التجمع القديمة كالفريج والمجالس، مشيرة إلى أن بداية كثير من الصداقات كانت تبدأ من المصعد الكهربائي، وأنها تعرفت على زميل لها في العمل ليس تحت سقف الشركة وإنما من خلال المصعد الكهربائي.

وتضيف ان المصعد يمكن أن يكشف عن طبيعة الأشخاص الذين يتواجدون فيه، فإذا قام احد المتواجدين فيه بالضغط على زر فتح الباب بعد أن يغلق أوتوماتيكيا لانتظار صعود جاره أو احد القادمين فإن ذلك يدل على انه دمث الأخلاق اجتماعي ويحب المساعدة وانه قريب من الجيران، ويمكن أن تكون هذه الخطوة بداية لعلاقة صداقة بين الجيران.

وذكرت الدوسري أن أكثر ما يزعج في المصاعد هو وجود روائح كريهة لبعض الفئات من جنسيات محددة بسبب العرق، والتي تجعلها تشعر في كثير من الأحيان بالضيق من الوجود في المصعد وتتمنى النزول في أقرب وقت ممكن.

أما المهندس محمد عبداللطيف يكاد يجزم أن الجيران قد لا يلتقون في أي مكان آخر سوى المصعد الكهربائي، بسبب ضغوط العمل وانشغال الناس في كثير من الأعمال، ويرى أن الكثير من الشركات والبقالات والمحلات تستفيد من المصعد للإعلان عن خدماتها والتعريف بالمنتجات والسلع لديها وعروض الخدمات المختلفة التي يحتاجها السكان كافة، إلا أنه يشير إلى نقطة سلبية تحملها المصاعد وهو ما تشير إليه بعض الحوادث وخاصة التحرش بالأطفال، وبيّن أن هذه المشكلة يمكن أن تعالج بتركيب كاميرات في المصاعد.

من جهتها تخشى أم محمد، ربة منزل الدخول في المصعد الكهربائي، وتجد أنه كان سبباً في الخلاف مع زوجها، مشيرة إلى أن المشكلة تكمن في أن معظم الشقق السكنية والعيادات وحتى بعض المؤسسات الحكومية تحتاج إلى مصعد، وبسبب خوفها من المصعد فإنها تضطر إلى صعود الدرج العادي في كثير من الأحيان لتجد نظرات الاستغراب والاستهجان من الجيران وكأنها تقوم بشيء غير مألوف، لافتة إلى أنها تتمنى أن تفك هذه العقدة وتستخدم المصعد الكهربائي يوما ما.

فراس العويسي