جميلة، مبتسمة، تبادرك الحديث لتختصر عناء الرسميات، تختزل ثقافة الأماكن والشعوب في حديث ودي، وجولات حميمة في أزقة الأماكن، والأشخاص، وتتجول بين بقايا زوايا مضيئة بالفن والأدب والعمارة، تحمل في قلبها الكثير من العاطفة والاحترام لبلد تقطنه منذ عشر سنوات، تسعى لأن تجعله أقرب إلى قلوب زائريه، تنقل لهم الصورة كما هي، بتفاصيلها وحقائقها، وتأمل أن تنال الجهود في مجال تزويد السياح بالثقافة المحلية الحقيقية نصيباً أكبر من الاهتمام والرعاية، لأن ثقافات الشعوب هي بوابتها إلى الحضارة، واحترام الثقافات ينبع من الإخلاص في العمل والمبادرة الواثقة..
وفاء آل حامد، صاحبة مشروع توعوي ثقافي مختلف، يحمل عنوان «تذوق الإمارات»، يهدف بالدرجة الأولى إلى تثقيف السياح الأجانب بالعادات والتقاليد التي تميز دولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها، من خلال التجوال في الأماكن التراثية القديمة، وحضور مجالس تعريفية والمشاركة في نقاشات تتناول ثقافة الإمارات وترصد اختلافاتها مقارنة بالثقافات الأخرى، في محاولة لتعزيز مكانة الدولة ثقافياً وحضارياً، ونقل الصورة الحقيقية بعيداً عن المبالغة والمغالطة. تشير وفاء آل حامد، مؤسسة المشروع، إلى أن فكرة المشروع جاءت نظراً لوجود سلوكيات لا تراعي ثقافة البلد والتي تشكل حاجزاً في التواصل بين السياح والزائرين والمقيمين من الأجانب، وبين أبناء الشعب الإماراتي، بما يساهم في التواصل الفعال بين كافة شرائح المجتمع، عن طريق تزويدهم بمعلومات حول العادات والتقاليد السائدة، والقيم المتعارف عليها، وطريقة العيش المتبعة على المستويين العملي والاجتماعي، كما يوفر المشروع للسياح المشاركة في جولات ثقافية، وحضور فعاليات تراثية ترفيهية.
للحديث عن مشروع «تذوق الإمارات»، وعن البداية والصعوبات، وعن الجهود التي تبذلها وفاء آل حامد لتقليل الفجوة بين الكم الهائل من الثقافات الزائرة والثقافة المحلية، دار هذا الحوار.
من أين جاء الشغف بهذا المشروع؟ وكيف ولدت الفكرة؟
الفكرة ولدت نتيجة مساهماتي السابقة في مشاريع مماثلة، تحسست من خلالها رغبة السياح في البلد إلى معرفة الثقافة الإماراتية عن قرب، والتعرف إلى عادات أهلها وتقاليدهم، والتي لا تنفصل عن الديانة الرسمية وهي الإسلام، ولأن عدد المواطنين أقل بكثير من عدد المقيمين من العرب والأجانب، آثرت ضرورة إبراز خصوصية البلد لهؤلاء الذين زاروا البلد وقرروا الاستقرار في ربوعها، وتحسست حاجتهم إلى معرفة البلد في ظل عدم وجود احتكاك مباشر بالإماراتيين والتعرف إلى ثقافتهم، وجاءت بعدها فكرة المشروع الذي ما زلت أعتبره في بداياته.
هل وجدت دعماً من العائلة؟
نعم، فزوجي يعمل في مجال مقارب، وهو مستشار سياحي للعديد من الشركات الكبرى في الدولة في مجال السياحة والترويج، وبحكم خبرته وتعامله مع الأجانب، وعدم وجود مشروع مماثل، تم التوافق على ضرورة البدء فيه.
وذلك لأن شركات السياحة لا توفر خدمات توعوية، بل تركز على الجانب الترفيهي للسياحة، في حين أن السياح يبدون اهتماماً بالجانب الثقافي للبلد، أعتقد أن الدافع الإنساني أهم بكثير من المكسب المادي حين قررت البدء في المشروع، وبالمناسبة؛ لقد تلقيت دعوات من شركات أجنبية لتقديم الرعاية والدعم المادي، ولكني أطمح إلى دعم الجهات الحكومية، والذي أجده أحق برعاية مشروع مماثل، بدأت في إجراءات تأسيسه من الصفر، واستعنت بشركة أجنبية روجت لمشروعي، وبعد الانطلاق ساهم الأجانب الذين استفادوا من الخدمات التي يوفرها المشروع في تشجيع معارفهم وأصدقائهم على خوض التجربة.
كيف تجدين نظرة الناس لهذه المهنة؟
الناس لا يعون أهمية هذه النوعية من الخدمات أو المشاريع، وهم مقصرون في الترويج لبلدهم، أحياناً ألتمس لدى بعضهم التباساً حول مفهوم التوعية الثقافية، وأجد صعوبة في توصيل هدف المشروع وماهيته، والمشكلة الأخرى، أن هناك من يقلل من أهمية توعية الأجانب بثقافة البلد، ولا يرون مبرراً في وجودها، ويبررون ذلك بضرورة التعايش بين الثقافات، لأنه في اعتقادهم دبي مدينة عالمية والناس فيها يتكيفون مع بعضهم رغم اختلاف ثقافاتهم، ولكني أميل إلى إبراز ثقافة البلد وتوعية الزوار بأهمية احترامها والوقوف عندها، وتأكد لي ذلك من خلال الأسئلة المتكررة التي يطرحها على الأجانب، فهم يسألون دائماً عن الجنسيات في دبي وظهور عادات وتقاليد جديدة، واختفاء العادات الأصلية، ولكني أحرص على المحافظة على الهوية المحلية والحفاظ عليها ضمن نسيج متناسق لا يسيء إلى أحد.
ما هي الفئات التي تستعين بالخدمات التي تقدمينها؟
هناك عدة فئات، منهم الزوار الأجانب أو السياح الذين يقصدون البلد للمرة الأولى وتكون زيارتهم قصيرة، وهناك المقيمون من الأجانب الذين قرروا الاستقرار في الإمارات وأحبوا التعرف إليها عن قرب.
هل لديهم فكرة عن ثقافة البلد؟
هناك فئة تأتي بدافع الفضول والتعرف على عادات البلد وثقافته، وهناك من يأتي بأفكار مسبقة خاطئة يحاولون إثبات صحتها، وواجبي تجاه ذلك أن أكون محايدة، أقدم لهم الحقائق كما هي، من خلال الأدلة المقنعة، فيما يتعلق بالأمور الدينية خصوصاً.
ما نوعية المعلومات التي تقدمينها؟
أقدم معلومات تختص بالسلوكيات العامة والسائدة، ضمن إطار الثقافة الإماراتية المستقاة من الدين الإسلامي، ودروساً حول كيفية التعامل بين أفراد المجتمع، وطريقة إلقاء التحية والسلام، ولعل أكثر ما يفاجئهم هو المجالس المنفصلة، فهناك مجالس للنساء وأخرى للرجال، في حين اعتاد معظمهم على المجالس المختلطة، كما أقدم جلسات وورش عمل تتناول كيفية التعامل في بيئة العمل، لمحاولة إكسابهم المعرفة اللازمة لذلك، كما قدمت مؤخراً 4 دورات تدريبية لموظفي إحدى الشركات، وتناولت العادات والتقاليد، ونشأة القبائل في الإمارات والأسر الحاكمة، والمهن السائدة، كالصيد والتجارة، واحتكاك الأهالي بالثقافات المجاورة مثل الثقافة الفارسية والهندية والتأثيرات التي أحدثها هذا الاحتكاك، ولابد هنا من التذكير بالخبرات الإماراتية التي أستعين بها فيما يختص بالملابس والأطعمة التقليدية.
بأي الأفكار يأتون؟ وهل أفكارهم مطابقة للواقع؟
هم يعتقدون أن الإسلام يسيء للمرأة وينصف الرجل على حساب حقوق المرأة خصوصاً فيما يتعلق بمسألة الإرث، ويشجع على تعدد الزوجات، في حين ألجأ إلى توضيح أهداف هذه التشريعات وشرح الحالات التي يتناولها الإسلام على وجه الخصوص، وتوصيل الصورة الحقيقية للإسلام بصفته ديناً متسامحاً يدعو للسلام من خلال الاستعانة بمصادر ومراجع إسلامية، كما أود التوجه بالشكر إلى القيادة العامة لشرطة دبي، والتي أبدت تعاوناً واضحاً معي، فيما يتعلق بإيجاد أجوبة فيما يختص بالشق القانوني من استفسارات وأسئلة السياح الأجانب.
هل لديهم رغبة بالعودة مجدداً؟ وما انطباعاتهم بعد الجولات التعريفية؟
طبعاً، ومعظمهم ينسجم مع التنوع الثقافي في الإمارات، ويقرر العودة مجدداً، أما المقيمون، فتتضح الرؤية لديهم ويسعدون بالتعرف إلى ثقافة البلد.
لا شك أن لديهم أسئلة شائعة، في أي موضوع تتركز معظم استفساراتهم؟
تتركز استفساراتهم حول الإسلام، وبالذات حقوق المرأة في الإسلام، والضغوطات التي تتعرض لها، كما يتحرج بعضهم من طرح أسئلة قد يعتبرونها محرجة، وذلك لجهلهم بالدين الإسلامي ومساهمة النظرة السائدة عن الإسلام في تكريس المفاهيم الخاطئة.
أمل الفلاسي

