ولعه بالأحجار الكريمة صقل موهبته.. واهتمامه بأدق تفاصيل تصميم السبحات كان مفتاح خبرته التي تميز بها في تصنيف الأحجار الكريمة لاسيما الكهرمان، فهو نموذج للشباب المثابر المصمم على تحقيق طموحاته، والذي يحّول أحلامه إلى واقع ملموس.
سالم محمد إبراهيم صنع واحة له في قرية التراث في دبي وأسماها «واحة الكهرمان» والتي كانت تزخر بالسبحات المتعددة الألوان والأنواع والأشكال. عمل منذ 16 سنة في النيابة العامة بدبي ولكن هواية تصميم المسابح وحجر الكهرمان كان تلح عليه فأقبل على فتح (واحة الكهرمان) والأحجار الكريمة مثل حجر الكوك واليسر واللؤلؤ وعلى وجه الخصوص حجر الكهرمان.
يقول: «حثني الكثير على فتح هذا المحل بحكم خبرتي وتصميماتي الذي فضلها الكثير من الشباب حتى تتم الاستفادة من الثقافة التي أمتلكها والاستفادة المادية، فالخصوصية المتواجدة في هذه السبحات لا توجد في أي محل آخر من حيث تشطيباتها النهائية التي أفرزتها هوايتي، فإذا لم تكن تهوى هذا العمل فلن تبرع فيه».
ويضيف: «فمسبحة الكهرمان بالتحديد لها خصوصية غريبة وميزة جميلة، فهي بمثابة بصمة الإصبع فمن النادر أن تجد مسبحتين متماثلتين ولذلك فإن العمل في هذا المجال يخلو من الرتابة فكل مسبحة من الكهرمان فيها ميزة تميزها عن مثيلاتها، وهذه الميزة لا يعرفها إلا الهواة فتغير ألوان الكهرمان وتدرجه من الأبيض المصفر إلى الأحمر القاني مع مرور السنين يجعله يرقى ويصبح أغلى ثمناً، كما إن عدد الحبات الموجودة في المسبحة يختلف مابين 33 وهي المسبحة العادية، أو تكون 99 حبة أو 66حبة أو 45 حبة ، والأتراك يفضلونها غالباً 37 حبة»
وينصح سالم الناس بأن يدخروا الكهرمان بدل الذهب، فقيمة الذهب في صعود وهبوط ولكن الكهرمان في صعود دائماً، ويزداد ثمنه كلما أصبح غامقاً واقترب من السواد، كما تتنوع أشكال حبة السبحة فمنها الدائري ومنها على شكل حبة الذرة و حبة الزيتون ومنها على شكل الكريستال والاسطنبولية، فهو بحر مليء بالدرر.
كما أن قص الكهرمان من أصعب الأمور لأن قصه بطريقة غير احترافية يؤدي إلى ضياع الأموال، فعند قص هذه القطع يتناثر منها التراب فهي تكلف الكثير والذي لا استطيع تحمله، أما المحترفون فلهم معامل لإعادة استخدام هذه الأتربة وتجميعها لتكون حبات الكهرمان، و تجلب الحبات من العراق و تركيا بالاستعانة بالتجار المتواجدين في الإمارات.
والمسبحة عند سالم كائن حي أهم ما يميزه هو الطربوش الذي يعتليها، وتناسق الألوان بين حبات الكهرمان ولون الخيط المار بينها، فالطربوش يجعل للمسبحة روحاً وتبرز أكثر عن غيرها، وهو يسافر إلى البحرين والكويت عند صانعي البشوت لصنع هذه الطرابيش لحرصه على اختيار أشكال الطرابيش بنفسه والألوان المميزة لتضفي على الرجل عند حمل السبحة منظراً غير اعتيادي، فكثيرة هي السبحات التي تتكون طرابيشها من ذهب ولكن تبقى التصاميم على نفس الشكل بدون إبداع.
ويميز مسبحة الكهرمان عن غيرها المغشوش ملمسها وبريقها وبالنظر إليها ورائحة الياسمين والعنبر التي تفوح منها عند فركها المستمر، ولكن البعض قد يغش من ناحية الرائحة فهم يخلطون المواد التي تعطي نفس لون الكهرمان وبريقه بالعطور ويقطعونها بنفس الأشكال ويبيعونها بأسعار مرتفعة حتى لا يشك الزبون في المسبحة وينجذب لشرائها.
وللمسبحة تاريخ طويل كما يحدثنا سالم: «فقد بدأها الألمان الذين كانوا يجلبون الكهرمان من روسيا البيضاء ويقطعونها للمسلمين وأهل الخليج، والعمالة التي كانت محترفة في تقطيع وتشكيل الكهرمان هي عمالة روسية وكانت الأسعار مرتفعة جداً في ذلك الوقت لاحتكار الألمان للكهرمان وتواجد الأيدي العاملة الرخيصة وقد احتكرت بعض الجهات للكهرمان والذي الأسعار من جديد، وأنا توصلت إلى المنابع والمصادر الرئيسية في أوروبا لجلب حجر الكهرمان».
أصل الحجر 40 مليون سنة
نشأ حجر الكهرمان من الأشجار الصنوبرية ومن شجرة السندوس الموجودة في المناطق المطلة على بحر البلطيق، وبدأ تكونه في العصر الثلثي.
وهو العصر الذي تكونت فيه سلاسل جبال الألب والهيمالايا نتيجة الزلازل والبراكين وتغير طقس الكرة الأرضية.
حيث تم انصهار تلك الأشجار ثم انطمارها بما تحويه من إفرازات صمغية في الجبال وتحت قيعان البحر.
وقد تم معرفة تاريخ نشوء هذه المادة الصمغية من خلال احتوائها على عدد من الكائنات الحيوانية والنباتية الشائعة في تلك الحقبة بطرق علمية، والتي دلت على عمر حجر الكهرمان الذي يعود إلى ما يقارب 40 مليون سنة.
روضة السويدي
