انتهت أيام المدرسة وقوانينها الصارمة وولى زمن الكتب المدرسية بألوانها المزخرفة ومناهجها المحددة، وانقرض زمن الحفظ والتفريغ الذي اشتهرت به أيام الثانوية العامة، واختفى معها الزي المدرسي، وبدأت المرحلة الجامعية لتكسر قيود سن المراهقة التي يفرضها أولياء الأمور على بناتهم. وأطلت أولى سنوات الجامعة بالحرية التي طالما حلمت الفتيات بها.

وأصبح لديهن القدرة على اختيار التخصص الذي يرغبن في دراسته على عكس ما فرضته عليهن المناهج المدرسية. وظهرت مع حرية الحياة الجامعية مسؤولية ضبط مواعيد المحاضرات وتنظيم أوقات الطعام والمذاكرة والترفيه، وهو أمر لا تستوعبه معظم الطالبات خلال أولى سنوات الجامعة حيث تكثر حالات الغياب، فالغالبية العظمى منهن يوظفن الحرم الجامعي ليتناسب مع اهتماماتهن، ويجعلن من أروقته وساحاته مسرحاً لعرض أفضل ما لديهن من ملابس وأحذية وحقائب والتي لابد وأن تتماشى مع أحدث ما قدمته دور الأزياء العالمية. ويحولن مواقف السيارات أمام الجامعة إلى صالات عرض لأحدث السيارات، ويتهامسن فيما بينهن في المحاضرات عن ملابس إحداهن وعن مكانة عائلتها الاجتماعية أو سياراتها القديمة ولا يعرن المذاكرة أي اهتمام إلا قبل بدء الامتحانات بأسبوع فيضيع من كل منهن سنة من عمرها كان من الممكن أن توظفها في النجاح والتفوق.

تختلف حياة الجامعة كثيراً عن حياة المدرسة، وهي قفزة كبيرة على المستويين الاجتماعي والأكاديمي، فحياة الجامعة تفتح أبواب التعامل مع مختلف الشخصيات والأعمار وتتيح للطالبات النقاش مع الأساتذة خلال المحاضرات وهو الأمر الذي تؤكده موزة آل علي (طالبة إعلام)، تقول: واجهتني بعض الصعوبات خلال أولى سنوات الجامعة بسبب اختلاف مناهج المدرسة عن مناهج الجامعة اختلافاً تاماً، ففي الجامعة تعد اللغة الإنجليزية أساساً للتعامل مع كل من حولنا، بينما لم تكن أكثر من مادة ثانوية في المدرسة، بالإضافة إلى اختلاف طرق المذاكرة بشكل جذري فالطالبة الجامعية مطالبة بتنظيم وقتها وتحمل مسؤولية نفسها بينما مسؤولية إنهاء المناهج المدرسية ومراجعتها كانت تقع بالكامل على عاتق المدرسة.

وتعليقاً على اهتمام الطالبات بالمظاهر خلال أولى سنوات الدراسة تقول: في البداية انحصرت اهتماماتي في هذه الأمور السطحية خاصة وأن نظرة المجتمع لطالبة الإعلام يحصرها ضمن نطاق الفتاة التي تهتم بالمظهر والشكل، ولكن مع مرور الوقت اكتشفت أنها نظرة سطحية وأن هذه الاهتمامات الطفولية يخلقها الانبهار بالحياة الجامعية التي تفسرها معظم الفتيات تفسيراً خاطئاً.

أما سها عبدالرحيم (طالبة تجارة) فتختلف مع موزة في وصفها لاهتمام الفتاة الجامعية بمظهرها قبل كل شيء بأنه اهتمام طفولي، تقول: لا أرى مانعاً من أن تهتم طالبة الجامعة بمظهرها الخارجي وأناقة ملابسها خاصة خلال أولى سنوات الدراسة التي تنتشر فيها حلقات النميمة بين العديد من الطالبات، حيث يجتمعن لنقد ملابس هذه والتغزل في زي تلك ويجدن متعتهن في السخرية من الفتاة التي لا تتزين أولا تهتم بمظهرها، الأمر الذي قد يؤثر سلباً على نفسيتها ويدمر ثقتها بنفسها ويشغلها عن دراستها في محاولة لكسب رضاهن.

وتبدي هادية حسن (طالبة تجارة أعمال) استياءها من الفتيات اللاتي يجدن في الحياة الجامعية فرصة للمغالاة في كل شيء ويثقلن كاهل آبائهن بالديون بسبب إصرارهن على شراء أغلى أنواع الثياب والعطور، وتغيير السيارة كل عام لأنها أصبحت «موديلا قديما» وهو الأمر الذي قد يتسبب في إيذاء مشاعر زميلاتهن اللاتي ينحدرن من أسر بسيطة، حتى إن بعضهن يتعرضن للسخرية والاستهزاء، وتشتعل بين المجموعتين نيران الغيرة.

خيالات سن المراهقة

تتذكر كريمة عبدالفتاح الأخصائية الاجتماعية عندما كان للحرم الجامعي في مختلف الثقافات والحضارات وزنه واحترامه وقدسيته، ولكن للأسف فقد شرد شباب اليوم عن الهدف الرئيسي من الذهاب إلى الجامعة وترجموا الحرية التي تتيحها لهم الحياة الجامعية ترجمةً خاطئة. وقد انتشرت في الآونة الأخيرة بين طالبات الجامعة خاصة في الجامعات المختلطة ظاهرة ارتداء ملابس غير لائقة من حيث التصميم أو الألوان وتنتهك حرمة الحرم الجامعي.

أما في الجامعات المنفصلة فقد أحدثت ظاهرة عروض الأزياء التي تتباهى بها بعض الطالبات مشكلة اجتماعية قد تخلق على المدى الطويل صدعاً بين الطبقات الاجتماعية. وترجع أسباب هذه الظاهرة إلى الضغوط الاجتماعية التي تتعرض لها الفتاة من كل من حولها، فأمها تريد أن تراها دائماً في أبهى صورة لتضمن زواجها بأسرع وقت وتعيش حالة من المقارنة الدائمة بينها وبين أقرانها وأقربائها وصديقاتها وزميلاتها، لهذا تهتم بمظهرها وزينتها ظناً منها أن حرصها على المظاهر سيكسبها شعبية على نطاق زميلاتها وستلتف حولها مجموعة من الصديقات يجعلن منها مثلهن الأعلى في الأناقة والجمال وتسعى كل منهن لكسب رضاها واستحسانها.

وتتعرض الدراسة في هذه الحالة إلى التهميش ويضيع وقت هؤلاء الطالبات في اهتمامهن بالأمور السطحية إلى أن تصيبهن صدمة اقتراب الامتحانات وخيبة أمل الرسوب، عندها ينضج تفكيرهن ويكتشفن أن ما كان محور حياتهن هو نتاج خيالات سن المراهقة.

حل وسط

المظهر الخارجي يجب ألا يصبح محور الاهتمام

يؤكد الدكتور فؤاد الأعظم اختصاصي علم النفس التأثير السلبي الذي يتسبب فيه اهتمام الجامعيات بالمظاهر وبالممتلكات المادية أكثر من اهتمامهن بالدراسة وبالشهادة الجامعية.

خاصة وأنه يُحدث تفرقة بين الطالبات ويتسبب في ظهور الغيرة والحقد وأحياناً الكره بينهن، وينصح الطالبات باختيار الحل الوسط.

المظهر الخارجي من الضروري أن يكون أنيقاً ومهندماً ولكن لا يصبح محور حياة الانسان بحيث يفسد علاقاته بمن حوله من الناس ويتبارى معهم في استعراض القوى المادية.

مرحلة النضوج

فوزية سرحان العتيبة (طالبة إعلام) تقول: اختلفت نظرتي للحياة منذ أن انتقلت للمرحلة الجامعية ووجدت نفسي أسعى للتغيير في نفسي ومظهري ومن شخصيتي وأبدأ التصرف كفتاة ناضجة. ومنذ أن اخترت التخصص في الإعلام وجدت أن الاهتمام بالمظهر ضروري.

وأذكر أننا كلفنا بالتدريب على مهارات التصوير وعندما رأيت صوري لم أكن راضية تمام الرضا عن مظهري فأخذت أغير في شكلي وفي ملابسي حتى اقتنعت.

وقد واجهتني بعض المشاكل في البداية بعد اختياري للتخصص بسبب نظرة المجتمع.

الناس يتصورون أن طالبة الإعلام متحررة تضرب بعاداتنا وتقاليدنا العربية عرض الحائط، ترتدي ملابس غير محتشمة، وتهتم بمظهرها أكثر من أي شيء.

إحدى الزميلات سألتني عندما علمت باختياري: «ألا تخافين على تشويه سمعتك بعد دخولك هذا المجال؟»، فأجبتها إن اهتمامي بمظهري أمر خاص بي ويزيد ثقتي بنفسي واختياري لتخصص الإعلام لا يعني أن المظهر الخارجي أصبح من أولوياتي بل على العكس.

وتختتم حديثها قائلة: إن هدفي أن أثبت للجميع أن الفتاة الإماراتية يمكنها أن تصبح إعلامية ناجحة دون أن تتخلى عن عاداتها وتقاليدها وملابسها المحتشمة.

أمنية حسن السيد