نكمل اليوم ما بدأنا به من قراءة بعض مذكرات الرحالة الغربيين الذين جابوا الخليج لقرون عديدة ، وكل واحد منهم يحمل شعورا مختلفا عن الآخر ، ولكل تجربة خاصة تدور حول الهدف الذي جاء من أجله . واليوم مع جولة خاصة قام بها نائب ملك الهند اللورد كيرزون الذي جاء إلى هذه المنطقة لإثبات السيطرة الكاملة على الخليج ودفعا مباشرا للتحرك الروسي في المنطقة ، يقول لوريمر صاحب دليل الخليج :

مغادرة كراتشي والرحلة إلى مسقط من 16 إلى 18 نوفمبر 1903

أقلعت السفينة «هاردينج» من سفن البحرية الملكية الهندية بنائب الملك من ميناء كراتشي قبل الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الاثنين الموافق «16» نوفمبر بقليل ، وعند مرورها بمناورة حيّتها بطاريات السواحل باطلاق مدافعها «31» طلقة ، وكان يصحب لورد كرزون في رحلته هذه صاحبة الفخامة زوجته.

واستعدادا لهذه الرحلة عزز أسطول الهند الشرقية الذي يقوده نائب أمير البحر «أتكنسون» بالسفينة «آرجونوف» من سفن الأسطول الملكي وهي سفينة من الدرجة الأولى حمولتها «11» ألف طن، وكانت حينئذ في طريقها من مركزها بالصين إلى إنجلترا، وعندما وصلت السفينة هاردينج ، اصطفت السفن في خطوط مقسمة طوليا فكان الجانب الأيمن يتكون من البارجة «هيسنت»، وهي سفينة من الدرجة الثانية، والسفينة «فوكس» وهي من الدرجة الثالثة، وعلى مؤخرتها عمودا لا سلكياً، وكان الجانب الأيسر يتكون من الطراد «آرجونوت» باتجاه البارجة يتبعه الطراد «بومون» وهو من الدرجة الثالثة.

وعند وصول نائب الملك رفعت السفن أعلام صواريها واصطف الجنود، واستعرض الحرس وعزفت الموسيقى النشيد الوطني ، وعندما تقدمت السفينة «هاردينج» أمام الصفوف حيّتها كل قطعة بإطلاق مدافعها «31» طلقة، وبقيت في مقدمة الأسطول حتى حلول الليل، وحينئذ غيرت وضعها وأخذت موقعا في مؤخرة الأسطول وبقيت هكذا حتى أصبح الأسطول على مقربة من مسقط، وأثناء الرحلة كان البحر لطيفا، وكان وضع السفن المتجاور يثير الاعجاب وخاصة أضواء الأسطول خلال ساعات الليل، حيث كانت ترى من ظهر السفينة «هاردينج» وكأنها أضواء مهرجان ثابت، في حين كانت الأعلام فوق الصواري تبدو كزينة خلال ساعات النهار.

زيارة مسقط في 18 و 19 نوفمبر الوصول إلى المسقط

بعد شروق شمس اليوم الثامن عشر من نوفمبر بقليل، أصبح ساحل عمان في متناول البصر، «يبدو كخط غير متعرج من الصخور الشديدة الانحدار فهي ترتفع متلألئة براقة أمام مياه المحيط الهندي الباهتة الزرقة». وكانت النية في الأصل تتجه إلى الوصول أولا إلى نقطة بالقرب من موقع رأس الحد، ويُواصل السير من هناك إلى مسقط مباشرة.

حيث كانت السفينة « لورانس » من البحرية الملكية الهندية وعليها العميد كيمبول المقيم السياسي في الخليج، والقطعة «لابونج» قد رستا هناك من قبل، وعندما دخل الأسطول إلى الميناء في الساعة العاشرة والنصف قبل الظهر، أدت سفينة القائد التحية للميناء باحدى وعشرين طلقة.

وفي نفس الوقت كانت بطاريات السلطان ترد عليها طلقة بطلقة وحالما أخذت السفن مواقعها، أطلقت بطاريات السواحل «31» طلقة ترحيبا بصاحب الفخامة نائب الملك، وبدت المدينة البيضاء التي تكسوها حلل الزينة نقيضا غريبا للصخور القاتمة، وكان لهذا التباين نظيرا في الجانب الآخر، حيث كان يبدو هيكل السفينة «هاردينج» و « لورانس» المتألقان وخلفهما خط قائم من السفن الحربية الراسية عبر مدخل الميناء.

وفد السلطان

وبعد قليل وصل وفد السلطان فيصل بن تركي إلى ظهر السفينة «هاردينج» وكان على رأسه السيد محمد أكبر أخوان السلطان والسيد تيمور أكبر أبنائه، والذي مثل دولة عمان في احتفالات التتويج في «دلهي»، وقائد قوات عظمته وحاكم «مطرح»، وألقى أحد رجال الوفد قصيدة عربية ، ورجع الوفد بعد أن استفسر عن صحة صاحب الفخامة ، في حين أطلقت المدافع «13» طلقة تحية لهم، وكان ذاك استجابة لطلب السلطان نظرا لمقامهم الرفيع.

زيارة السلطان لنائب الملك

وحال وصول الوفد إلى الشاطئ توجه صاحب العظمة فيصل بن تركي بشخصه إلى السفينة «هاردينج» لزيارة نائب الملك ، كان في معيته حاشيته والرائد «كوكس» المعتمد السياسي البريطاني في مسقط، وبعد جولة باللنش على كامل الأسطول وتلقيه الترحيب من بحارة سفن صاحب الجلالة، استقبل على ظهر السفينة «هاردينج»، ثم أوصل إلى مكان صاحب الفخامة على سطح مؤخرة السفينة، حيث توجد غرفة استقبال رسمية مناسبة مزخرفة بسجاد موشى بالذهب ومطرز بشكل أنيق. وبعد تبادل التحيات جرى حديث قصير ثم قدم أفراد الحاشية كلا على حده إلى نائب الملك، وبعد لحظات قصيرة غادر السلطان المكان مودعا باحدى وعشرين طلقة من الطراد «فوكس».

وبعد أن آلقى اللورد خطابه وشاهد احتفال السلطنة به ، ودع اللورد السلطان متجها الى منطقة رؤوس الجبال لأهميتها انذاك للدولة البريطانية لما سيأتي.

تفقد ساحل روس الجبال في 20 نوفمبر

أصبح الاسطول في صباح اليوم التالي مغادرا مسقط وعلى مقربة من مرتفعات «روس الجبال»، وقضى نائب الملك وقائد عام الاسطول ذلك اليوم بكامله على ظهر السفينة «هاردنج» في تفقد الخلجان الصغيرة الاكثر أهمية وتوغلت السفينة نحو الجانب الشرقي من الرأس الجبلي الداخلي في البحر متجهة إلى رأس جزيرة غوبات أو خور من المضيق.

وقد استفادت السفينة في مرورها من خليج عمان الى الخليج من المضيق المشهور المسمى « فك الاسد» الواقع بين جزيرة مسندم واليابسة وكانت تسير ببطء أثناء اتجاهها الى الجانب الغربي من شبه الجزيرة عبر قناة خور قوي بمحاذاة جزيرة «غنم» وفي النهاية دخلت السفينة «خور شعم» في وقت مبكر من بعد الظهر مارة بجزيرة «التلغراف» الصغيرة التي مازال يشاهد فيها قاعدة عمود محطة التلغراف القديمة ورست مقابل جزيرة سي على مقربة من رأس الخور.

ونزل لورد «كرزون» هناك وصعد مع بعض أعضاء حاشيته إلى قمة برزخ مقلب عند النقطة التي كان يمر فيها خط التلغراف سابقا، وأصبح بالامكان رؤية منظر خلاب لخور مالكوم والفنستون والجبال المحيطة بهما من هذا المكان وفي المساء كانت السفينة قد تركت خور شعم ودخلت الى عرض البحر.

وبعد ذلك وضع اللورد «كرزون» حصيلة عمل ذلك اليوم بين يدي حكومة صاحب الجلالة لما لها من صلة بالقاعدة البحرية البريطانية في الخليج.

يتبع