بدرية حسن مواطنة تعمل في وزارة الشؤون الاجتماعية، تعاني من ضعف في السمع منذ ولادتها، لأسباب وراثية، حيث إن خمسة من أشقائها يعانون من الإصابة نفسها، لكن والدها الذي يشجع الدراسة، ويؤمن بأهمية التعليم دفع أبناءه للالتحاق بالمدارس النظامية، فسجلها والدها بروضة للأطفال في سن خمس سنوات، واستفادت من ذلك بتطوير قدراتها اللغوية.
وذلك نتيجة اختلاطها مع أطفال يتمتعون بقدرات لغوية جيدة، وتابعت بعد ذلك الرحلة والتحقت بالصف الأول في مدرسة عادية، لكنها واجهت صعوبات جمة نتيجة إعاقتها، حيث لم تكن تكنولوجيا المعينات السمعية وخصوصا أجهزة الـ FM معروفة في ذلك الوقت.
ومع كل هذه الصعوبات حرصت بدرية على متابعة تعليمها، وفي عام 1979 تم افتتاح معهد الأمل بمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، حيث كانت أول مؤسسة تعليمية مخصصة للمصابين بحاسة السمع في الدولة، الأمر الذي شجع والدها كثيرا على تسجيلها فيها، وتدين بدرية بالفضل في تعليمها للمؤسسة، رغم أنهم لم يحسبوا لها دراسة الصف الأول في المدارس العادية وأجبروها على دراسته من جديد.
واستمرت بدرية بالمؤسسة ثلاث سنوات، ومع افتتاح مركز دبي لتأهيل المعاقين، انتقلت إليه، بسبب قربه من مكان إقامتها.
حيث تابعت الدراسة فيه إلى نهاية المرحلة الإعدادية وكانت متفوقة طيلة مدة الدراسة في المركز، وبعد انتهاء المرحلة الإعدادية كان لزاما عليها الجلوس في المنزل، بسبب عدم توفر مراكز لتعليم هذه الفئة بعد إنهائهم المرحلة الإعدادية. وإذا كانت بدرية قد واجهت صعوبات حقيقية أثناء تنقلها من مدرسة إلى أخرى وما يتبع ذلك من تكيف مع البيئة الجديدة.
إضافة إلى عدم وجود مراكز أو مؤسسات متخصصة لتعليم المصابين بحاسة السمع قريبة من مكان السكن، مما تسبب في حرمانها الكثير من السنوات الدراسية وتأخرها عن باقي أقرانها، ألا أنها ترى أن المشكلة الكبيرة التي عانت منها، تتمثل في عدم توفر التعليم العالي أو الجامعي للصم وضعاف السمع.
فبعد إنهائها المرحلة الثانوية بتفوق، جلست بدرية بالمنزل، فترة من الزمن وبعدها خطر ببالها فكرة العمل، من منطلق معنوي وليس مادياً، ولتثبت للجميع قدرتها على العمل، وأنها فرد منتج، وليست عالة على المجتمع، وتم لها ما أرادت في العام 1990.
حيث تم تعيينها في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، بوظيفة إداري مساعد، وبعدها انتقلت للعمل في قسم آخر يعتمد على استخدام الكمبيوتر الذي تتقنه جيداً بل وتتفوق على جميع زملائها في استخدامه.
عانت بدرية في بداية التحاقها بالعمل من عدم وجود لغة تفاهم مشتركة بينها وبين زملائها، حيث اعتقد البعض أنها لا تسمع تماماً، ومنهم من أعتقد أنها لا تجيد اللغة العربية، بسبب قلة اختلاطها، ولكن ومع الوقت استطاعت بدرية تذليل الكثير من العقبات، وأصبحت مثلها مثل أي فرد آخر، وساد بينهم الود والتفاهم، وتحسن الوضع أكثر عندما انتقلت إلى إدارة رعاية الفئات الخاصة في الوزارة نفسها.
حيث أصبحت تساعد كثيراً من الأشخاص من ذوي الإعاقة السمعية في الترجمة (عن طريق الفيديوفون) بكثير من المواعيد أو الاجتماعات وغير ذلك من الأمور.
ومن الناحية الاجتماعية، استطاعت اكتساب قدر كبير من التواصل الشفهي مع المجتمع (أي فهم معاني الكلام من خلال حركة الشفاه)، وهذا ما ساعدها على التواصل مع الآخرين، لتكسير جدار العزلة الاجتماعية، الذي يؤثر التي تؤثر بشكل مباشر على التوافق النفسي والنمو العاطفي للفرد، فالمصاب بحاسة السمع.
خاصة الذي لا يستطيع التواصل الشفهي تنحصر دائرته الاجتماعية وتضيق كثيراً وتقتصر على الذين يمكنه التواصل معهم من خلال إشارات اليد أي بين الصم فقط وبعض أفراد الأسرة، وهم بذلك بحاجة إلى من يساعدهم في «الترجمة» بينهم وبين الآخرين، وبسبب عدم توفر من يستطيع الترجمة بين إشارات اليد والكلام الشفهي والعكس وخصوصا في الأوقات الحرجة، فقد سعت إلى تعليم حركة الشفاه لمساعدة نفسها ومساعدة إخوانها الصم، وضعاف السمع الذين لم يتقنوا لغة الشفاه.
تزوجت بدرية من شخص ينتمي إلى عائلتها وهو إنسان سوي، ويتمتع بصفات رائعة، ولديها اليوم ابن يدرس في الجامعة وبنت في الثانوية العامة، كما أنها تواصل حياتها كما تحب، فهي متعلقة بالكمبيوتر، وتقضي أغلب أوقات فراغها أمامه، حتى أنها قامت منذ سنة بإنشاء موقع على (الانترنت) يعنى بأمور المصابين بالصمم وأطلقت عليه اسم «منتدى دبي للصم» حيث تقوم بتقديم الخدمات والمعلومات والأخبار التي تهم الصم وتساعدهم في أمور حياتهم اليومية.
جسر التواصل
وتؤكد بدرية أن موقع دبي للصم www.dubaideaf.com، ومنتديات دبي للصم www.dubaideaf.com/vb هو جسر التواصل مع المصابين بحاسة السمع، يمكن من بدرية خلاله نقل أهم الأخبار، والمعلومات، وواصلت نشاطاتها.
حيث أنشأت موقعاً للتعليم، ومنتدى للحوار والمناقشات يضم في عضويته الآن 322 عضواً من الصم، من داخل الدولة وخارجها، كما أن بدرية من أبطال لعبة الشطرنج على مستوى الدولة، ومثلت الإمارات في الكثير من البطولات وحصلت على عدد من الميداليات في هذه اللعبة، كما أنها تجيد بعض الهوايات النسائية التقليدية في الإمارات مثل نقش الحناء والأعمال اليدوية.
تحلم بدرية بالكثير من الأمنيات التي ترغب في تحقيقها خلال حياتها، منها الحصول على سكن في مدينة دبي، قريباً من مكان عملها وعمل زوجها.
سمانا النصيرات
