هل يمكن أن تصبح وسائل الإعلام هي المسؤولة عن الصراع المحموم الذي تدور رحاه في غرف عمليات التجميل التي انتشرت بشكل لافت للنظر في مختلف بقاع العالم، وهل من الممكن أن يكون الشباب العربي قد تعرض لعملية استلاب فكري قادته لتقليد نموذج الجمال الغربي بغض النظر عن الضريبة التي قد يدفعها اجتماعيا ودينيا وصحيا، ولماذا تسارع وسائل الإعلام في تعميم نموذج المرأة الجسد خاصة في القنوات الفضائية التي بدأت منذ عقدين من الزمان إقحام المرأة في البرامج التلفزيونية ويكون اختيارها في معظم الأحيان مبنيا على جمالها الجسدي وجاذبيتها دون النظر إلى طاقاتها الإبداعية والفكرية؟
مجموعة من التساؤلات شكلت محاور نقاش حمل فيه غالبية المتحدثين المرأة جزءا من مسؤولية النظرة المهينة التي أخذت تحيق بها حتى من المرأة ذاتها التي أصبحت تعتقد أن جمالها الخارجي هو جواز عبورها نحو النجاح والتألق فأخذت تبحث عنه في مراكز التجميل بغرض الوصول إلى المستويات العالمية في مقاييس الجمال .
عميد كلية الاتصال في جامعة الشارقة الدكتور محمد إبراهيم عايش تحدث عن نموذج الفتاة في الفضاء الإعلامي حيث أكد أن الإعلام مسؤول عن تعميم صورة المرأة الجسد. مؤكدا أن الكثير من الدراسات التي أجريت حول تأثير النماذج الإعلامية في سلوكيات الأفراد بينت أن الأطفال والشباب المراهقين عادة ما يجدون ضالتهم المنشودة فيما تقدمه وسائل الإعلام.
وبخاصة التلفزيون من شخصيات يتقمصون حركاتها وأشكالها ولباسها وعندما تقدم وسائل الإعلام المرأة كموضوع للإغراء الجنسي في الإعلانات أو الصور الفوتوغرافية أو في الانترنت أو في شكل المذيعات أو في المسلسلات فإنها تسهم في ترسيخ مفاهيم وممارسات في أوساط الفتيات تؤكد على الرؤية الذاتية غير السوية، فالفتاة التي تنشا لترى نفسها جسدا لإغراء الآخرين وجذبهم وشد انتباههم ستغدو أداة هدم وليس بناء في المجتمع.
وأوضح أن تقديم المرأة على أنها كائن يفتقر إلى الطاقات العقلية والفكرية وحصر اهتماماتها في الأزياء ومواد التجميل حيث يتجلى ذلك في أوضح صورة في الإعلانات التجارية المقروءة والمرئية وتركيز هذه الإعلانات على العطور وأدوات الزينة والملابس الفاخرة وتقديمها على أنها تمثل قمة اهتمامات المرأة العصرية ومصدر السعادة لها ولأسرتها سيرسخ وينمي لدى النساء انشغالات ذهنية وفكرية عاطفية بعيدة عن قضايا الواقع المعاش وتصبح لدى النساء رغبة في متابعة أخبار آخر الأزياء والعطور وأدوات التجميل ووسائله على حساب تطوير وتنمية أنفسهم والاهتمام بالتربية.
وقالت بثينة محمد الصابوني مديرة مركز الإنسان للاستشارات والدراسات الاجتماعية في دبي إن الفئة التي تعد صيدا سهلا للإعلانات الخاصة بعمليات التجميل هي الفئة الأكثر فقدانا للثقة بذاتها كما أنها تكون في حالة صراع مع الذات معتقدة أنها لن تكون شخصية ناجحة قادرة على مواجهة المجتمع إلا إذا كانت تمتلك كافة مقومات الجمال.
مشيرة إلى عشرات السيدات اللواتي راجعن المركز عقب تعرضهن لمضاعفات جسدية جسيمة جراء فشل العملية وتعرض صاحبتها لمضاعفات زادت من حالتها سوءا. واعتبرت من يضع حياته تحت مبضع الجراح بمثابة من يضع رأسه تحت المقصلة لأن الخلقة الربانية التي كرم الله بها الإنسان لا تحتاج الى من يغيرها، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام لا تتطرق إلا إلى الآثار الايجابية لعمليات التجميل والشكل والقوام الذي قد تحصل عليه المرأة بعد ساعات من دخول غرفة العمليات.
وتحدثت الدكتورة مها فتحي السيد من كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي عن الضوابط الشرعية للتجميل فقالت إن عمليات جراحة التجميل التحسينية كتصغير الأنف أو تكبير وتصغير الثدي أو شفط الدهون أو شد التجاعيد وغيره مما يكون وراءه تغيير الخلقة حرام، أما ما كان ضروريا كقطع عضو زائد يؤدي إلى ضرر أو تركيب عضو يحتاج إليه الإنسان فهو جائز بشروط وضوابط وهي أن تكون الجراحة ضرورية وألا يترتب عليها ضرر وأن يغلب على الظن نجاحها إلى جانب ألا يكون فيها تغيير للخلقة أو تشويه للخلقة.
وأوضحت زكية محمود التي تعمل في مجلة الشرطي التابعة للقيادة العامة لشرطة الشارقة عن الآثار الأمنية لعمليات التجميل موضحة أن غالبية المتضررين في هذه العمليات لا يتقدمون ببلاغات رسمية وتبقى الشكاوى حبيسة في صدور أصحابها حيث يطلق عليها «الجريمة الصامتة» إذ تبين أن النساء في مراكز التجميل يتعرضن لعمليات النصب والاحتيال سواء من ناحية العمليات التي لا تحقق النتيجة المرجوة كما تصفها الإعلانات أو التي من خلال عمليات تتم على أيدي موظفين غير مؤهلين وغير مرخصين قانونيا لممارسة هذه المهام مما يؤدي للإيقاع بكثير من الضحايا دون أن تتمكن الشرطة من إلقاء القبض على مرتكبيها.
استلاب فكري
الدكتورة حصة لوتاه الأستاذ المساعد في جامعة الإمارات اعتبرت أن الجيل الحالي يعاني من استلاب فكري دفع به إلى تبني أفكار لا تليق به وبقيمه ومعتقداته إذ أسهمت برأيها شركات الدعاية والإعلان ووسائل الإعلام على رأسها المرئية في إبهار المتلقين وفرض معايير جمال مختلفة من خلال استخدام نساء على درجة من الجمال والترويج لعمليات تجميل وغيرها من الأشياء فباع المشتري للسلعة لا السلعة للمشتري لأغراض مادية بحتة.
مؤكدة في حديث لها في مجلس الدكتورة أسماء العويس الثقافي أن الخاضع لعمليات التجميل كمن يخضع لعملية تعذيب فالتقطيع والتغيير في الخلقة هو تعذيب للخلقة والجسد الذي كرمنا الله به، لافتة إلى أن عمليات التجميل تكون ضرورية عند الحاجة لإعادة الخلقة لما كانت عليه إذا تعرضت لحادث أو تشوه في الولادة، مستغربة هوس الفتيات بالنموذج الغربي شكلا ومضمونا داعية إلى ضرورة توعية الأجيال الشابة وإخراجها من حالة الانبهار بكل ما هو مستورد من الغرب.
نورا الأمير
