انحنت واتكأت بيدها على الأرض واستدارت في محاولة لمعرفة الزائر، لها نظرة كنظرة الصقر، لماحة، ثاقبة، وصوت لبى تحية السلام بحذر يشوبه استجداء للذاكرة الحاضرة، في جنبات المنزل وزواياه. حدقت فيها بكل اهتمام، وحذر، أمعنت النظر ثم قالت:
«حمدة؟» «بلاج يا امايه ضعفتي؟ ما عرفتج غير يوم رمستي».
للحظات ينتابك شعور بأنها فقدت جزءاً من ذاكرة الأشخاص، وذكريات الأحباب، ولكنها ما لبثت أن استجمعت ذاكرتها الحاضرة وقالت: «إنتي الغالية، حمدة.. مسماية على الشجاعة، بنت راعي الصفرا» . الحمد لله.. لم تخيب ظني، وأثبتت أنها تلك الذاكرة التي قد تخفت لكن لا تنطفئ. سمعت هذه القصة كثيراً، وفي كل مرة يزداد إعجابي بتعلقهم بالأماكن والأشخاص وحتى الحيوانات التي كانت جزءاً خاصاً بهم، تسكن عالمهم وتقاسمهم أدق التفاصيل، الصفرا هي الناقة، كنز متحرك يتناعتون به ويلحقونه بأسمائهم الصغيرة.
بدأ الحديث ودياً، كانت أم علي تفترش الأرض على حصيرها الملون، المغطى بسجادة الصلاة، وحولها جهاز المذياع القديم وعلى بعد خطوات ضيافتها المعتادة، دلة الشاي والقهوة، وبعض الفناجين الشاهدة على حميمية الجو واللقاء، والحلوى العمانية التي لا تخلو منها جلسات العجائز، وطاسة التمر، جُهزت تحسباً لأي ضيف.
صبت حمدة فنجاناً من القهوة وتناولت أم علي بالسؤال الأول: «منو إييج هالأيام امايه؟» أجابت: «محد غيرهن»، وأكملت حديثها وصدى الحزن يتمكن من صوتها: «تصدقين يا امايه انها ما طاحت بيتي من 11 سنه؟ الباب بالباب يا بنتي، لكنها ما تي، نحنا أهل قبل ما نكون يران، تدرين إنتي ان الرسول «صلى الله عليه وسلم» من كبر قدر الجار وصى إنه يورث جاره من صوب الجبلة لو ما كان له أهل يورثونه؟، مابا منها شي يا امايه، أنا لو أروم بروحي بسير لها».
على مقربة من أحد الجوامع الكبيرة في أحد الأحياء السكنية المطلة على شاطئ البحر في منطقة الجميرا، يقع بيت أم علي، وفيه تجتمع جاراتها أم سعيد، وأم محمد، والعمة عواشة، وغيرهن ممن تعتبر زياراتهن غير منتظمة، نظرة عن قرب ترصد الحديث الذي دار في جلسات إحدى العصريات في أحد الأيام.
الضيوف معدودون.. ومألوفون.. ويكاد المكان يهمس بأسمائهم لشدة ما تعلق بهم، وتعلقوا به، أصبحوا جزءاً من المكان وتفاصيله، فهم يقصدونه في رحلة إلى الماضي، تأتي الجارات ليحتسين فناجين الحنين، يتناولن جرعة من الوفاء للماضي، ويستنشقن هواء لا تحظى به الكثيرات من النسوة في هذه الأيام،
نظرة متجولة، ترصد تفاصيل المكان، السقف متهالك، والجدار ارتسمت عليه تشققات الزمن وتجاعيده، غرفة هادئة نسبياً، لم تصلها مخالب الحداثة والعصرنة، ولكنها الأغلى على قلوب أهل البيت وزواره، تشهد في كل يوم.. في نفس الوقت.. توافدهن لتمضية ساعات العصر برفقة أم علي.
«سمعتي؟ يقولون إن البلاد «بتمتزر» من الأجانب يا امايه؟ قولي عاد وين بيسكنونهم؟ يقولون «مول ماشي فرزه» في دبي «قالتها أم علي بدهشة وتحفظ. هي التي لا تبارح بيتها، ولا تدري عما يدور حولها من نشاط عمراني أو تنموي، تتحدث عن زمنٍ لا تعيشه، فعندها الزمن متوقف، والحياة هي تلك التي عاشتها في محيطٍ تعرفه جيداً هم أهلها وجيرانها وكل من تربطه صلة بأرضها، في صوتها تجد ميلاً جارفاً للحديث عن الوطن، وسر جماله، تذكر أم علي هذه الأبيات على لسان أحد الوافدين إلى دبي قديماً والذي يمتدح منطقة أم سقيم، وهي احدى ضواحي منطقة الجميرا بدبي:
لي بغيت تشوف الاحساني في الحياة اسكن نواحيها
هب شرق وغرب يا فلاني ديرة أم سقيم نعنيها
هي مصر هي هندنا الثاني هي حياة الروح نفديها
هي سبب شيخ بالاحساني شادها وعلا مبانيها
هي أيضاً معجبة بتفرد القادة، وإخلاصهم لهذا البلد وشعبه، قالتها بإعجاب وفرح: «تدرين يانا الشيخ محمد يصلي في المسيد العود، وشاف علي ولديه» تفرح أم علي لأن لعائلتها أمجاد في هذه المنطقة، وفي كلامها تأريخ دقيق لأحداثها، وتستغل هذا الحديث لتروي لحمدة قصة جميرا، التي نشأت على حد قولها على يد محمد بن مليح، فهو أول من لجأ إليها ثم بدأ بعده الناس يتوافدون من منطقة ديرة والراس، يزرعون فيها النخيل المستورد من عمان، ويغرفون السمك من بحرها المعطاء، هذه أم علي التي لا تستطيع إخفاء حب هذه الأرض الذي استبد بها، وسكن حديثها وتمكن منها..
زمن أم علي متوقف عند ذلك البحر وتلك الخيمة، التي تهافت إلى مسامعها صدى حكايات بطولية لأناس تعرفهم جيداً ولا ترغب في نسيانهم، تتذكر أم علي رحلتها إلى الحج، مع ابنها علي :«سرت الحج يا امايه بـ 400 روبية، «يمعتهن» من خياطة الثياب، وعلي ويايه، «يمع بيزات» الحج من «بيع السمج» وعتاد البحر، كانوا الناس فقرا والدنيا قيض، والصغار يمشون بدون نعول، الحين كل شي متوفر، الحمدلله، ادعوا لبلادكم يا امايه، وتصدقوا، إذا جادت عليك فجد بها».
تخاف أم علي أن يملأ الأغراب بلدها، ويستبد بها شعور الوحدة، وينقطع أثر زيارات صديقاتها ويحجب تنامي العمران والمساكن أخبارهن، تباغت أم علي حمدة بسؤال: «صدق يا امايه بيدفنون البحر؟ الله يرحمنا برحمته، عيل نحنا وين بنسير؟ هذا رزقنا ورزق عيالنا»، أجابت حمدة كمن اعتاد على الفكرة لكثرة ما روت الحكاية: «هيه صدق، حتى نحنا بيحولونا، وبيبنولنا بيوت يديدة».
تعبر أم سعيد أمام منزلنا في طريقها إلى مجلس أم علي يومياً في ذات الموعد، تقول لحمدة «أسير لأم علي عقب صلاة العصر، لكن يا ختيه «نتم نترياها لين» قبل صلاة المغرب، ويوم تي ما تخلينا نروح، الوقت يمر بسرعة، ويوم اروح توصيني ما أقطعها، عاد هي الخير والبركة في هالفريج، من زمان يوم تروم، ما قصرت ويا حد، كل حد يحبها ويحترمها، الله يطول في عمرها، كانت شجاعة وتحب الناس»، وترد حمدة مؤيدة: «صدقج يا ختيه، يوم أسير لها ما تخلي حد ما تتخبر عنه، عاد تباكم تسيرولها، وتردون الصوت عليها».
في حضرة الجارات، يصبح للمجلس «طابع أدبي»، فتبوح كل منهن بمخزون ذاكرتها من الشعر الشعبي، لن أنسى وقع أبيات أم سعيد التي أحدثت موجة من الضحك على الحاضرات لخفة ظل معانيها وطريقتها الهزلية في الإلقاء:
أمس العصر لاقيت هنتين.. غزلان في السكة مراويح
قلت اقربن يا بشرة التين.. والا بعالي الصوت باصيح
حالي نحل وآزمت عظمين.. لو داجر اليهال باطيح
أما العمة عواشة، فهي موهبة شعرية كامنة، واسطوانة شعرية متحركة، تمتع الجميع بقصائدها الجميلة، ومخزونها الشعري الذي لا ينضب.
فقدت بصرها ولكن عوضت ذلك الفقد في البصر، بالبصيرة الحاضرة والإيمان المتزايد، إحساسها بالمحيط عالٍ جداً، يفوق إحساس المبصرين، تحفظ القرآن وتحرص على تجديد حفظها، تقول وهي تلهث عند عتبة باب المجلس: «السلام عليكم، «اشعنه ما تنشدن عني؟» ارتفع السكر وبغيت اموت، قالتلي «النرس» لا تاكلين وامشي كل يوم، ما تدري إني مب صاحيه، وركبي ما تشلني»، تبدأ بعدها عواشة بالانزلاق في دوامة الأحاديث المتداولة، وتلفت الانتباه إليها بوصلة شعرية هي الأحب إلى قلوب الحاضرات.
ودعت حمدة المجلس عائدة أدراج الحاضر، ومستعيدة تفاصيل الحياة التي سرقت منها عبق الماضي الذي عانقته في مجلس أم علي، وما زال لسان أم علي رطباً بذكر الله، وما بارحت كلماتها التي يتردد صداها في الذاكرة، : «استحيطوا على بلادكم يا امي، ادعوا للشيوخ، اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين، ادعوا يوم تصلون وقبل لا ترقدون، واقروا آية الكرسي، اللهم إني أعوذ بك من النفاق والشقاق، يا حافظ بنات شعيب احفظ بلادنا»، لوحت أم علي بيدها، في أمان الله وانصرفت حمدة إلى دوامة الحياة.
قد تكون حكاية أم علي مشابهة للعديد من الحكايات والنوادر في أي زمان ومكان، وأكاد أجزم أن مجلسها مشابه للعديد من المجالس والتجمعات، ولكن وقفة عند أعتاب الزمن الحاضر في مجلس أم علي، جديرة بالوصف، فللكتابة طاقة الصواريخ في توصيل الإحساس بالآخر واستشعاره، وقدرة الشاشات البلازمية في نقل الصورة بتفاصيلها وألوانها وتعرجات خطوطها واستقامة زواياها.
أمل الفلاسي
