كثيرة هي الأماكن التي يرتحل إليها البشر، وقليلة هي التي تترك فيهم الأثر، ويتركون فيها ملامحهم، للأماكن قصص وحكايات، ومواقف ارتبطت بساكنيها حتى توحدت بهم، وتشربتهم حتى أصبحت جزءاً منهم، وعاشوا معها قصة حب ووفاء أصدق من أن تدون بالقلم، وترصد بعين الكاميرا، أخذوا منها وأعطوها واستمدوا من سخائها قوت يومهم، وقاوموا من أجلها كل ما من شأنه أن يجعلها ذكرى وطيفاً من الماضي.

نرصد هنا أسماء الأماكن، ونكرم من أطلقها، وجعل منها كياناً قائماً على الأرض، مدوناً في كتب الزمن وسجلاته، عصياً على النسيان، تتداوله أزمنة باقية. على امتداد خور دبي، وعلى الضفة اليسرى المسماة بر ديرة، يقع فريج الضغاية، بمحاذاة سوق الذهب الذي اتخذ مكاناً له بين أروقة أقدم الأحياء السكنية التي استوطنها الأهالي في إمارة دبي. منطقة ذات تاريخ ممتد، وبعد تراثي وحضاري بارز، مستمدة من قاطنيها الأوائل، فالضغاية هو مصطلح عامي متداول، ويقصد به الأشخاص الذين يضغون أي يصيدون السمك في المنطقة، والضغوة هي طريقة لصيد الأسماك اشتهر بها أهالي الإمارات الشمالية، والتي تستخدم غالباً لصيد أسماك العومة (السردين) بكميات كبيرة، وبعض الأسماك مثل البرية والصيما وأصناف أخرى من الأسماك، وللضغاية أناشيدهم الشعبية الخاصة التي تصاحب عملية الصيد.

حتى السبعينات من القرن الماضي، كانت الضغاية حياً سكنياً ذا طابع محلي، ومسقط رأس العديد من أبناء إمارة دبي، فقد كانت من أكثر الأحياء السكنية ازدحاما، ذلك لكونها منطقة حيوية تقع على ضفاف خور دبي، الذي سهل على الأهالي الانتقال بين ضفتيه، وأغدق العطاء على أهلها من خيراته من الأسماك ويسر وصولهم إلى البحر الذي غازلوا لآلئه وظفروا بداناته. أما اليوم، فالضغاية تقع على خريطة أغلى الاستثمارات العقارية والتجارية في دبي، وتحظى بموقع مميز يؤمه التجار، ويتهافتون على عرض بضاعتهم في أسواقه، ويحرص الناس على زيارته والتسوق في المحلات التجارية التي تكتظ بها منطقة من أقدم الأحياء التي تحمل طابعاً معمارياً محلياً. تحية للضغاية الذين وضعوا أسس العمل الكادح والجاد، ورسموا ملامح المستقبل واستشرفوا سخاءه بأيادٍ شامخة.

أمل الفلاسي