«لا أستطيع تصديق ما حصل رغم مرور أكثر من عامين على تلك الحادثة البشعة، وكثيرا ينتابني شعور بأن الأمر كله كان مجرد كابوس ومضى» بهذه الكلمات افتتحت «نعيمة»حكايتها في إطار التحقيق الصحافي الذي نجريه حول ظاهرة العنف الأسري لرصد الأسباب الكامنة وراءها والتي غالباً ما يكون الزوج هو المتسبب الرئيسي فيها ، فيما تسجل مراكز الشرطة والمحاكم نسباً أقل بكثير من قضايا العنف الأسري تكون الزوجة أو أحد الأبناء وراء حوادث العنف.
عانت «نعيمة» من العنف على يد زوجها لأكثر من 20 عاماً وبأشكال مختلفة (وصل إلى منتهاه بالنسبة لها عندما أشرفت على الموت جراء قيامه بطعنها بسكين وهو مخمور)، وكانت خلال سنوات زواجها تلك كمن دُس له السحر لاتعرف كيف تعايشت وصبرت على كل هذا الضيم من الزوج الذي كان يتلذذ بتعذيبها وتعذيب أولادها.. وهذه واحدة من عشرات الحكايات التي استمعنا إليها في إطار هذا التحقيق.تبدأ الحكاية بالنسبة ل(نعيمة) عندما تقدم لخطبتها زميل الدراسة الجامعية عقب تخرجهما بعامين، وأمام المخاوف من شبح العنوسة التي صنعتها العادات والتقاليد وافقت عليه رغم أنها لم تكن ترتاح له كثيراً خلال سنوات الدراسة بسبب شخصيته الانطوائية وعصبيته الظاهرة للعيان، وأكدت الفترة الأولى للزواج أنها كانت محقة لجهة عدم الارتياح لهذا الزوج الذي كان يثور لأتفه الأسباب.
بالإضافة لمزاجيته المفرطة، وتدخله في كافة التفاصيل الخاصة بعملها كربة منزل تعاملت نعيمة بصبر شديد مع الأمر، إلا أن التطورات اللاحقة التي وصلت حد الضرب دفعتها لترك بيت الزوجية والذهاب إلى منزل أسرتها، بعد مرور عدة أيام جاء معتذرا بشدة متوسلا إليها أن تعود.. وعادت.. خاصة وأنها شعرت بوجود رغبة لدى أسرتها لتتخذ مثل هذا القرار، موضحة بأنه كان بداية غوصها في الرمال المتحركة بشكل تدريجي حيث تعدى الأمر الضرب ليصل إلى حد حرمانها من الكثير من الحقوق الأساسية.
ولفتت «نعيمة» إلى أن كل تنازل منها كان يقابل بمزيد من الإمعان في إهانتها من قبله، هذه التنازلات التي ازدادت مساحتها عندما أصبح لديها ثلاثة أبناء نالهم جانب لا بأس به من عنف الأب لأسباب غير مفهومة في كثير من الأحيان، مشيرة إلى أن المنعطف الحاسم في علاقتها به كان لدى عودته مخموراً في إحدى الليالي، وبدأ بضرب الأولاد .
وعندما حاولت التدخل لحمايتهم توجه نحو المطبخ وتناول سكيناً طعنها بها طعنة نافذة كادت أن تخترق القلب، فكانت هذه الحادثة التي سلمت فيها من الموت الشعرة التي قصمت ظهر العلاقة بينهما، حيث رفعت قضية طلاق ضد زوجها ربحتها لتنتهي العلاقة به تماما.
وتؤكد «جمانة» شقيقتها أن القرار الذي اتخذته «نعيمة» بالانفصال عن زوجها لم يكن سهلاً عليها مطلقاً وترددت كثيراً بشأنه، موضحة بأنها خلال محطات عديدة من الدعوى القضائية كادت أن تسقط حقها وتعود لزوجها لولا ضغط الأشقاء الذين ساهموا بتصليب موقفها ومنعها من التراجع عن قرارها، لافتة إلى أن هذا التردد يعود على ما يبدو إلى إدمانها على الاضطهاد، أو الخوف من فكرة الطلاق التي تغذيها العادات والتقاليد البالية.
زوج متفتح .... ولكن
وروت «شذى محمود» لنا تفاصيل حكاية صديقتها التي تعيش ظروفاً قاسية للغاية مع زوج قدم نفسه لها خلال فترة تعارفهما الأولى على أنه شخص ذو عقلية متفتحة، مؤمن بعلاقات الصداقة بين الجنسين حيث كان على علم ومعرفة كاملين بكل علاقاتها لدى تقدمه لخطبتها.
مشيرة إلى أنه انقلب رأسا على عقب بعد زواجه منها بفترة وجيزة، وأصبح همه الوحيد محاسبتها على ما سلف والتشكيك بصدق روايتها لتفاصيل أي علاقة سابقة لها ، متهما إياها بأنها كانت على الدوام فتاة لعوبا تدمن لعبة إقامة علاقات مؤقتة ثم القفز إلى أخرى، وعندما كانت ترفض مثل هذه الاتهامات كان يقوم بضربها بشكل مبرح.
وتقول «شذى» بأنها كانت على الدوام تدعم فكرة الانفصال بينهما ، انطلاقا من أن دخول الشك بين الزوجين لا يمكن أن يمنح الحياة الزوجية الاستقرار المطلوب، إلا أن صديقتها كانت ترفض ذلك متعللة بضرورة التعامل بصبر وروية مع الزوج الذي عادة ما تشهد السنة الأولى للزواج بروزاً واضحاً لمشاعر الغيرة لديه ما تلبث أن تهدأ خلال الأعوام اللاحقة، إلا أن الأعوام مرت وبقي الحال على ما هو عليه.
والشيء الوحيد الذي تغير هو مبررات الزوجة المضطهدة حيث أصبح الأولاد الذين أنجبتهم سببا للصبر على الجور فلابد أن تضحي من أجلهم، فيما لم يتغير بحث الزوج عن فنون جديدة لإهانة زوجته. وتقول «أم أحمد» أنها وفي وقت مبكر من عمرها قدر لها أن تعيش ظروفا قاسية للغاية عندما زوجها والدها إلى أحد الأقارب وهي في الـ 17 من عمرها فيما كان الزوج يكبرها بـ 15 عاما والذي كان قد طلق زوجته السابقة لأسباب لم يتسن لها معرفتها في ذلك الوقت ، ولكنها استطاعت الإطلالة وبشكل دقيق عليها بعد مرور أقل من عام على زواجها.
قسوة شديدة
وتوضح بأنه ومنذ البدايات أظهر قسوة شديدة تجاهها وكأنه يعيش معركة ثأرية معها لاتعرف ماهي أسبابها، حيث لم يكن يسمح لها بالتحدث إلى أي من جاراتها أو الخروج للتسوق وحيدة، كما كان يفرض ستارا من الصمت على أرجاء المنزل بحيث لا يتحدث إليها إلا لإلقاء الأوامر.
كما كان شديد الغيرة عليها بحيث يتحول إلى وحش كاسر إذا ما شعر بوجود ما يغذي هذه الغيرة من وجهة نظره، مشيرة إلى أنها تعرضت للضرب المبرح من قبله لأنه شعر بأنها رحبت بشكل أكبر من المعتاد بأحد أقاربه الذي جاء لزيارتهم.
وكان لتكرار عمليات ضربه لها مرات عديدة المبرر لكي تلجأ إلى أسرتها بحثا عن الخلاص، ولكنه كان بابا موصدا تماما بوجهها إذ طلب منها والدها العودة إلى بيت الزوجية مكانها الطبيعي طالبا منها الصبر والصبر فقط لأن هذا هو دورها الطبيعي كزوجة( من وجهة نظره).. وما زالت «أم أحمد» ملتزمة بتعليمات والدها تتلقى الصفعات.. بصبر.
وحكاية «عائشة» تحمل جانبا أكثر إظلاما من الحياة الزوجية فهي ابتليت بزوج أدمن الكسل والاعتماد على الدخل الناتج عن عمل زوجته في تسيير أمور المنزل، دون تقدير لجهودها ، وليس ذلك وحسب بل تعريضها للإهانة الدائمة والضرب لأتفه الأسباب، حيث تشير صديقتها إلى أن سلوكه يرتبط على ما يبدو بلعبة ( أفضل وسائل الدفاع الهجوم) بمعنى أنه يحاول التغطية على تقصيره الواضح في أدائه لدوره في المنزل بالقمع والعنف بما لايدع أي مجال للزوجة للتفكير بالأمر، وجعلها تفكر فقط باتقاء شره.
طفولة مضطربة
الأسرة أساس المجتمع ومصدر قوته
الدكتور أكرم محمود أستاذ الصحة النفسية يرى أن اضطرابات السلوك تكون مرتفعة لدى أولئك الذين يتعرّضون للعنف في طفولتهم، سواء كانت تلك الاضطرابات في تكوين العلاقات مع الأصدقاء أو الزوجة أو الأبناء إذ يفقد هؤلاء مهارات تكوين العلاقات وبنائها والمحافظة عليها، كما يؤدي العنف إلى انعزالهم أو فشلهم في الزواج أو الانطواء.
وأوضح بأن الأسرة هي أساس المجتمع ومصدر قوته وتفوقه، وأن العنف الأسري أكثر فتكاً بالمجتمعات من الحروب والأوبئة الصحية لأنه ينخر أساس المجتمع ما يستدعي البحث عن الحلول الجدية لهذه المشكلة، مشيراً إلى أن ظاهرة العنف الأسري جاءت نتيجة للحياة العصرية، فالضغط النفسي والإحباط، المتولد من طبيعة هذه الحياة، تعد من المنابع الأولية والأساسية لمشكلة العنف الأسري، لافتا إلى أن العنف سلوكٌ مكتسبٌ يتعلمه الفرد خلال أطوار التنشئة الاجتماعية. فالأفراد الذين يكونون ضحية له في صغرهم، يُمارسونه على أفراد أسرهم في المستقبل.
كما تلعب القيم الثقافية والمعايير الاجتماعية دوراً كبيراً ومهماً في تبرير العنف، إذ أن قيم الشرف والمكانة الاجتماعية تحددها معايير معينة تستخدم العنف أحياناً كواجب وأمر حتمي. وكذلك يتعلم الأفراد المكانات الاجتماعية وأشكال التبجيل المصاحبة لها والتي تعطي القوي الحقوق والامتيازات التعسفية أكثر من الضعيف في الأسرة. والنفسية حول ظاهرة العنف الأسري أكدت أن الزوجة هي الضحية الأولى وأن الزوج هو المعتدي الأول، يأتي بعدها في الترتيب الأبناء والبنات كضحايا إمّا للأب أو للأخ الأكبر أو العم. وأن 99 في المئة من حالات العنف الأسري يكون مصدرها الرجل.
خالد اللوباني

