«ابنتي... بنيتي... أمي... أمايه...» مسميات نسمعها وبمنتهى الحنان من آبائنا لمناداة البنات، فالأب يعتبر ابنته مثل أمه في بعض الأحيان لإحساسه إنها حنونة عليه تهتم لأمره وتسأل عنه، ويرى فيها أحياناً أخرى الأخت الغالية التي يبوح لها بهمومه سواء كانت من داخل الأسرة أو من خارجها، وبل يجد فيها إخلاص الصديق الذي يضمد جراحه التي يعاني منها.
وهذا لا يعني أن كل الآباء يتعاملون بنفس المنطق مع بناتهم والعكس صحيح، فقد تسمع عن أب ينظر لابنته نظرة دونية كونها أنثى ضعيفة في هذا العالم، ويتناسى أن دوره في هذه الحياة هو تقوية عظامها ليس بالكالسيوم بل بالإرشاد والتوجيه المستمر لها، حتى يجعل منها كما يقال «امرأة عن مئة رجل» وذلك أن تربية الفتاة والاهتمام فيها أفضل من تركها تخوض تجاربها بمفردها أو بإرشاد أصدقاء السوء والذي في الغالب يدفعها إلى الممارسات الخاطئة... فنظرة أفضل من حسرة تدوم مدى الحياة. ونطلع من خلال هذه القضية على آراء بعض الآباء والبنات حتى تتضح الرؤية حول كيفية معاملة بعض الآباء لبناتهم والبنات لآبائهن...
الطالبة آلاء سيف تتحدث عن علاقتها بوالدها:« يهتم أبي جداً بإكمالي للدراسة الجامعية والدراسات العليا بعد التخرج، فقد حرِص على مرافقتي عند التسجيل في الجامعة ولم يمنعني من اختيار التخصص الذي أرغب في دراسته، فوالدي صديق لي في أغلب الأوقات فيتصل بين الحين والآخر للاطمئنان عليّ وذلك بحكم تواجدي في السكن الخاص بطالبات الجامعة، ومع ذلك أخجل من ذكر مشاكلي مباشرة معه لحلها فأعرضها على والدتي وهي بدورها تعرضها عليه».
ولكل واحدة من البنات صفاتها الخاصة كما يعتقد محمد أحمد -رب أسرة- ويقول:« من البنات من يخجلن في التعامل مع الأب ومنهن من يفضلنه في حل مشكلاتهن، فابنتي الكبرى غالباً ما تلجأ إلي في حل حتى أصغر مشاكلها، أما الصغرى فتلجأ إلى أمها في أغلب الأحيان، وأعتقد أن المساواة في التربية والتعامل تجعل علاقات أفراد الأسرة الواحدة ناجحة، فأنا أتبع مع بناتي أسلوب الأخذ والعطاء بحيث استمع إليهن من دون تزمّت أو تسلط وبناتي كذلك يستمعن إلى ما أوجههن إليه ويأخذن بعين الاعتبار الكلام الذي أوجهه إليهن، فالتعاطف والمودة هو الجو السائد في المنزل».
ويضيف:«بعض الآباء يسيئون معاملة بناته وذلك بعدم إعطائهن لاهتمام الكافي وغالباً ما يكون مشغولاً ويتعذر بعمله وفي هذه الحالة تكثر المشاكل التي يقعن فيها، فالأب يجب أن يكون له دور في تربية أبنائه وليس دعمهم مادياً فقط».
الكلمة الطيبة
الدكتور إسماعيل العيساوي أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة في جامعة الشارقة، يقول:« مما لاشك فيه إن الإسلام أولى المرأة أهمية خاصة وجعلها نصف المجتمع، بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم- :( إنما النساء شقائق الرجال) ومن هنا نرى أن الإسلام طلب من الأسرة أن تتعامل مع أفرادها سويةً دون تمييز، وعلى رب الأسرة مخاطبة فتياته بعيداً عن أعين الآخرين وخصوصاً إذا كانت في سن المراهقة وهي أخطر مرحلة.
ولعل هذه الخطورة أشّد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والتي تنظر إليها نظرة تفريق تميزها عن الرجل فقد تعاقب المرأة وتسمح للرجل بفعل ما يشاء، كذلك قال - صلى الله عليه وسلم- :(من أعال جاريتين دخل الجنة) فهذا الحديث يفيدنا بنظرة الإسلام إلى كيفية تعامل الوالد مع بناته لأن كلمة الإعالة لا تعني فقط المادية منها بل لابد من الإعالة الفكرية والقيمية.
وقد تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم- مع ابنته فاطمة - رضي الله عنها- في أروع نموذج لتعامل الأب مع ابنته، فيجب أن لا توضع النقاط الحمراء باستمرار أمامها كما لا يفتح لها الباب على مصراعيه فالإسلام دين الوسطية في التعامل فلا يدعها حبيسة أربعة جدران ولا يتركها دون قيد أو شرط، وعلى الأب أن يقتطع جزءاً من وقته للجلوس مع أبنائه أو أخذهم في رحلة وعليه أن يسأل عما تعانيه ابنته من ضغوط نفسية أو اجتماعية لأن السؤال بحد ذاته يخفف عليها كثيراً من الآلام».
ويضيف:« المطلوب على الآباء أن يستوعبوا بناتهم ويكونوا بين الشدة والرخاء في التعامل خاصة في فترة المراهقة لأن الشطط فيها كثير في المجتمعات التي تعددت فيها الثقافات المعاصرة، وعليهم بالكلمة الطيبة باعتبارها صدقة وأن تكون النصيحة على انفراد بها وليس بحضور الجماعة حتى لا تعتبره توبيخاً في حقها».
النواحي النفسية
ويبين الدكتور أحمد العموش رئيس قسم الاجتماع بجامعة الشارقة أنه من الناحية النفسية الإناث أقرب الآباء وذلك لعدة أسباب منها الخوف الزائد من قبل للآباء عليهن والاهتمام الزائد كما أن تركيز الآباء على البنات أكثر منه على الشباب كونهم لا يقضون وقتاً أطول في المنزل ويأخذون حرية أكبر. وينصح العموش الآباء بقوله:« يجب عليهم عدم التفريق في معاملة أبنائهم لأنهم يعتبرون البنات لسن جزءاً من الأسرة كونهن سيتزوجن ويتبعن أسر أزواجهن.
وحقيقةً هي نظرة موجودة فقط في العالم العربي التي وصلت عند البعض إلى حرمانها من التركة ومن أبسط حقوقها، لأن هذه التفرقة تسبب بعض العادات السيئة في نفسية البنت والتي تجعلها تنتقم من حالتها التي مرت فيها بأن تخلق نفس الجو الذي مرت به لأبنائها».
تعامل راق
* الدكتور إبراهيم الحوسني رب أسرة، يري أن الاختلاف القائم بين الأجيال يعد من أهم العقبات في التعامل بين الآباء والأبناء ويقول:«إن نظرة الأب للأمور تختلف بطبيعة الحال عن نظرة البنت وذلك لاختلاف البيئة التي ترعرع فيها والمشاكل التي سمع عنها، وأعتبر أن أنجح علاقة بين الأب وبناته أن يرتقي في التعامل مع بناته وألا يكون متشدداً في رأيه ولا يكون موافقاً من دون اطلاع على الأشياء التي تردنها، وعلى الأب أن يكون قريباً منهن متى احتجن إليه فهو يخلق جو الأمان والتفاهم و الاعتماد عليه».
ويعتبر الحوسني الأم الأقرب لحل مشاكل البنات لامتلاكها للطبيعة ذاتها، فغالباً ما تخجل البنت من التعامل وعرض مشاكل علاقاتها بصديقتها على الأب، أما المشاكل التي تحدث بعد زواج البنت فالأب يكون المسؤول عن حلها وإرجاع المياه إلى مجاريها الصحيحة».
* وتؤكد هند سالم أن علاقة والدها معها مبنية على التفاهم وتقول:« يعاملني أبي على أساس أني إنسانة كبيرة مستوعبة لأمور الحياة، ودائماً نتناقش في أمور عدة سواء كانت مواضيع تخصني أو تخص أسرتي بوجه عام، حيث إنه لا يفرض رأيه علينا بل يأخذ الرأي السديد حتى لو كان من أصغرنا، وأرى أن والدي أكثر ليناً معي ومع إخوتي ولكن والدتي متحفظة دائماً على العديد من الأمور.
أسلوب جيد
تربية صالحة لمواجهة الحياة
محمد صالح بداه والحاصل على جائزة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز (فئة الأسرة المتميزة لعام2000)، يقول:« أنا والد متعلم وزوجتي كذلك وطالما كان الأب والأم صالحين فسينعكس صلاحهما على الأبناء، والبنات خصوصاً حرصنا على تعليمهن القواعد الصلبة لمواجهة الحياة ومنها الدين والقيم والعادات الصالحة وأهمها باعتقادي الصدق فكل الصفات الحميدة الأخرى تندرج تحته لتصل إلى 40 صفة.
كذلك علمناهن حب جميع أفراد الأسرة دون تمييز بينهم ونتبع معهم أسلوب الوسطية، فالأسلوب الموحد في التعامل بين الأم والأب يساهم في حل مشاكلهم باعتدال وبتفاهم وفي جو عطف وحنان». ويضيف:« نتعرف على أصدقاء أبنائنا ويكون هناك وقت مخصص مهم للخروج كذلك جهزنا لهم جواً مريحاً في وجود الهاتف والإنترنت ولكن وضعنا لهم ضوابط وأعطيناهم الثقة الراشدة، كما وجهنا الأبناء للالتحاق بالعديد من الدورات والمحاضرات التي تنمي فيهم القيم الاجتماعية والدينية والمعلوماتية».
وتصِف علياء محمد صالح بداه أسلوب تعامل والدها بقولها:« أسلوب غنيّ في التعامل معنا فهو يقدم النصيحة والإرشادات الواجبة حتى نسير على الطريق الصحيح من دون كلّل أو ملّل، ومع ذلك والدي غير متزمّت لآرائه ويمنحنا الفرصة لاختيار ما هو صائب لنفعله، كذلك دائما ما يحرص على تواجدنا في المحاضرات المختلفة والدورات لتثقيفنا.
روضة السويدي
