شهدت العباءة الإماراتية تطوراً مدهشاً منذ خمسينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، والكثيرات يعتبرن العباءة هوية وطنية تمثل المرأة بحشمتها ووقارها والتي لا يجوز المساس بخصوصيتها، في حين أن نظرة عن قرب للتغييرات التي طرأت على العباءة كفيلة بأن ترصد التفاصيل الدخيلة التي شهدتها جراء احتكاكها بالثقافات الأخرى من جهة، وتغيّر إيقاع الحياة من جهة أخرى.
فالعباءة تعولمت وأصبحت تفتقد الكثير من التفاصيل الخاصة بالمرأة الإماراتية، وذلك نتيجة للانفتاح الاقتصادي الذي تشهده الأسواق المحلية، والذي يتيح الفرصة لتنوع الأذواق ومزجها في صورة غير محددة الهوية ولكنها أكثر تلاؤماً مع إيقاع الحياة التي أثبتت أنها الأكثر إرضاءً، وأصبح الإقبال على ارتداء العباءة الإماراتية كبيراً من جميع الفئات والجنسيات. وأسهم ذلك في تهافت التجار ومصممي الأزياء على افتتاح مشاغل تفصيل العباءات والسعي إلى الابتكار في تصاميمها في محاولة لجذب مختلف الأذواق وبأسعار مغرية مقارنةً بما هو متداول في السوق، مما أسهم في وجود فجوة في أسعار العباءات، وتشهد مواسم الأعياد ارتفاعاً في أسعار العباءات لكثرة الطلب عليها.
ميثاء العبار، إحدى الفتيات التي اتجهت إلى تصميم وبيع العباءات وصاحبة مشروع نايت ستار للعبايا والتي تتخذ منزلها موقعاً للمشروع، تعتبر أن العباءة هوية وزي وطني خاص بالمرأة الإماراتية، لذا سعت بدورها إلى إيجاد هوية خاصة بالإماراتيات من خلال تصميمات تتناسب وذائقتهن دون إغفال مراعاة التقاليد والحشمة، وحول ارتفاع أسعار العباءة تقول ميثاء: «المرأة الإماراتية بطبيعتها تحب الأناقة وتبحث دائماً عما هو مميز. وذلك يتطلب استخدام خامات راقية فنحن على عكس المحلات التجارية، نستخدم قماش الكريب السعودي والذي يبلغ سعر المتر منه 45 درهماً، في حين أن المحلات التجارية تلجأ إلى النوعية الأقل جودة، والتي يبلغ سعر المتر منها 18 درهماً، والفرق واضح، وكذلك التصميمات التي تتطلب منا استخدام إكسسوارات ذات جودة عالية، كما تزين بعض التصاميم بأحدث أنواع التطريز الملون، وكل ذلك مكلف.
ولكني أرى أن أسعار عباءاتي مقارب لما هو متداول في السوق، ولكن ربحي أقل، لأني أتعامل مع الخياطين بالقطعة»، وترى ميثاء أن المحلات المتخصصة في تفصيل العباءات لم تتطور وظلت تصاميمها تقليدية وغير مبتكرة، وذلك ساهم بطريقة مباشرة في ظهور مصممات إماراتيات متخصصات في تصميم العباءات، ويتراوح سعر العباءة لديها بين 1500 و3000 درهم، وتتنوع تصاميمها من العباءة العملية إلى عباءة السهرات وهي الأغلى ثمناً، وأكدت أيضاً أن العباءة أصبحت أولوية في حياة المرأة، لذا فزبوناتها يخصصن ميزانية معينة لتفصيل العباءات بصورة شهرية.
فاطمة المهيري مصممة عباءات وصاحبة مشروع تصميم وتفصيل العباءات الإماراتية، تعتقد إن هدفهم الرئيسي هو الربح المادي وجذب الزبائن من مختلف الجنسيات، والذي نتج عنه تغيير في شكل العباءة لا يعبر عن هوية المرأة الإماراتية، في حين أنها أدرى بذائقة مواطنتها، وعلى دراية بما يتناسب وتقاليدها.
وحول أسعار العباءات تقول فاطمة: «هناك لبس في موضوع ارتفاع أسعار العباءات، أعتقد أن بعض الفتيات يلجأن إلى اقتناء عباءات من المحلات الكبيرة فقط لأنها غالية وسعياً للتباهي بشهرة المحل واسمه، وهناك فئة أخرى تلجأ إلى العباءات الغالية لحرصها على رقي الخياطة واستخدم تصاميم ذات جودة عالية وعدم تداول تصاميم العباءة بشكل كبير بين قريناتهن، وأنا شخصياً أصرف كثيراً على الإكسسوارات المستخدمة في عباءاتي، وأحرص على أن تكون عملية وتبقى لفترة طويلة، وكل ذلك يتطلب خامات غالية الثمن.
وعلى سبيل المثال، فأنا حريصة على استخدام نوعية غالية جداً من اللؤلؤ لتزيين العباءة وذلك رغبة مني في أن تبقى العباءة لفترة أطول، علماً بأن ربحي قليل مقارنة بما أصرفه على العباءات والخامات المستخدمة». وترى فاطمة أن الدخلاء على المهنة من المصممين وأصحاب المحلات الأجانب هم المسؤولون عن تشويه شكل العباءة الإماراتية.
خصوصية ورواج:
لجأت العديد من السيدات مؤخراً إلى افتتاح مشاريع مشاغل لخياطة وتفصيل العباءات من منازلهن، والتي يشرفن عليها بأنفسهن بدئاً من التصميم إلى التنفيذ في محاولة لكسب ثقة شريحة كبيرة من الفتيات الإماراتيات، وتتميز التصميمات بخصوصيتها وقربها من ذائقة المرأة الإماراتية في طريقة التصميم ونوعية القماش المستخدم وطريقة الخياطة الراقية، على سبيل أن أهل مكة أدرى بشعابها.
وتلقى هذه التجارة رواجاً واسعاً بين فئة الفتيات المواطنات، ولعل أبرز المآخذ على هذا النوع من المشاريع هو ارتفاع أسعار هذه العباءات مقارنة بما هو متداول في الأسواق والذي قد يكون بسبب غياب التقنين التجاري الذي ما وجد إلا لحماية التاجر والمستهلك بالدرجة الأولى.
مسميات الأقمشة
أبرز ما يستوقفك أثناء زيارة محلات تفصيل العباءات، هو المسميات التي تطلق على الأقمشة المستخدمة في تفصيل العباءات والشيل، مثل قماش الإنترنت، دجى الليل، برج العرب! ولكن أبرز المفارقات التي تواجه أي متجولٍ في محلات تفصيل العباءات، هو الفجوة في أسعارها! فأرخص عباءة يمكن تفصيلها لا تتجاوز 150 درهماً، في حين أغلى عباءة في أحد المحلات التي يعتبرها البعض راقية أسوةً بمحلات الماركات الشهيرة والتي يعتبرها البعض حكراً على فئة معينة في المجتمع بلغ سعرها 22 ألف درهم.
السويعية القديمة
السويعية هي أقدم أشكال العباءة التي عرفتها المرأة الإماراتية، والتي كانت تلبس فوق الرأس وتزين بتطريز مذهب يأخذ أشكالاً مختلفة من الزخرفة، وتمثلت العباءة بنوعين، عباءة الشتاء التي تصنع من قماش الصوف، في حين أن عباءة الصيف تصنع من قماش الحرير، وكانت السويعية تلبس إلى جانب الشيلة التي تمثل غطاء الرأس. وتطور شكل العباءة حتى يتلاءم مع طبيعة المرأة.
حيث برزت في أواخر السبعينات عباءة الحرير التي تسمى (الشل)، على شكل شال يوضع على الرأس ويحمل على اليدين، ثم طرأت بعض التغييرات عليها وأصبحت تلبس على الكتف، وتطورت العباءة تناسباً مع طبيعة المرأة العملية والتي تتطلب تصميماً مريحاً للاستخدام اليومي، حتى وصلت إلى العباءة التي نراها حالياً، وهي أشبه بالجلباب مع اختلاف القصات والتصاميم وطريقة التنفيذ.
ويقال إن العباءة القديمة ( السويعية) اتخذت هذا الاسم لأنها تلبس لساعات معينة وليس كل الوقت، وللسويعية خصوصية لدى المرأة قديماً لاعتبارها لباساً للعروس، حيث كانت العروس تغطى بالسويعية في ليلة زفافها مما يفرح اخواتها.
أنواع مختلفة
* الفراشة: تمتاز هذه العباءة بقصتها المميزة عند الأكمام، فأكمامها أشبه بأجنحة الفراشة. ويمكن التحكم بمقاسات الأكمام وتصميمها حسب الطلب. أهم ما يميز هذه العباءة هو استخدامها المتنوع، فيمكن ارتداؤها للسهرات، والزيارات أو العمل، وذلك حسب التصميم وطريقة التنفيذ، وحجم الأكمام.
* السعودية: غالباً ما تكون ذات قصة واسعة تمتاز بأنها مريحة ويمكن ارتداؤها في أي وقت، ويستخدم في خياطتها قماش الحرير السعودي.
* السادة: وهي أشبه بالجلباب، غالباً ما تلبس للاستخدام اليومي. وتتنوع الأقمشة المستخدمة لخياطتها بين الكريب بمختلف أنواعه والحرير.
* الفرنسية: قصتها ضيقة عند الخصر وتتسع في الأسفل، والأكمام كذلك، وتستخدم تصاميم مختلفة لتزيين الأكمام، مثل بطانة الحرير الزخرفة بالتطريز المذهب والملون.
* ويمكن دمج أكثر من تصميم في نفس العباءة وذلك حسب الرغبة، وكذلك يمكن التنويع في استخدام القماش، فهناك أنوع مختلفة من الأقمشة المستخدمة في تفصيل العباءة، منها الكريب السعودي (صالونا)، الحرير، والحرير الشيفون، قماش الانترنت، ويمتاز بأنه عملي ويصلح للاستخدام اليومي، وتتنوع كذلك الأقمشة المستخدمة للشيلة، ولعل الأكثر استخداماً هو الكريب بأنواعه، يليه الساري، والذي غالباً ما يلبس للسهرات والمناسبات.
أسعار العباءات
تختلف أسعار العباءات حسب نوعية القماش وطريقة التصميم والتفصيل، وإذا كانت العباءة مع الشيلة أو دونها، فالعباءة السادة يتراوح سعرها بين 150 و700 درهم، أما العباءات ذات التصاميم المزينة بالتطريز والإكسسوارات فهي الأغلى سعراً، ويتحدد سعرها بنوعية التصميم ( الشك - اللولو - التطريز - الكريستال - الدانتيل) وحجمه على العباءة، فكلما كبر حجم التصميم ارتفع سعره، ويمكن الحصول على التصاميم البسيطة بأسعار تبدأ من 300 درهم، وقد يصل سعرها أحياناً إلى 14000 أو 22000 درهم، تبعاً لنوعية تصميم القماش والتصميم واسم المحل الذي يقوم بتفصيل العباءة.
أمل الفلاسي


