من يراها يضع أكثر من عشر سنين على سنوات عمرها الحقيقي، وقد جلست مستقبلة الهواء مكيفاً كان أو بواسطة المروحة، تشمر كمي ثوبها وتفتح أزرار قميصها كاشفة عن أوسع مساحة في صدرها، بينما تعرض ساقيها للهواء البارد وقد وضعت أمامها قارورة كبيرة من الماء ترشف منها كل خمس دقائق تقريباً وهي رغم ذلك تشكو العطش المستمر.

ونسأل عن هذا الوضع فتخبرنا لاهثة من الحر والعطش اللذين تشكو منهما أبداً وهي تتصبب عرقاً فتقول: أنا على هذه الحال منذ ست سنوات، كانت البداية حين شكوت من انتفاخ في البطن أهملته في البداية وحين ازدادت ضخامة البطن ذهبت إلى الطبيب الذي أخبرني بضرورة الكشف النسائي وقام بتحويلي فوراً، وهناك عرفت بأن المانع المستخدم ضد الحمل منذ خمس سنوات قد تحرك من موضعه ووصل إلى الكلى وعليه لابد من التدخل الجراحي لانتزاع اللولب قبل أن يعطب الكلية.

وتضيف أم جبران بعد أن تغير وضع جلوسها وتجرع المزيد من قارورة الماء التي شارفت على النفاد.. لم أتردد في الموافقة على الجراحة قبل استفحال الأمر، وهكذا أدخلت بشكل عاجل إلى غرفة العمليات وتم إعدادي للجراحة التي كانت بشق البطن كاملاً من اليسار إلى اليمين، لكن المفاجأة أنه لم يتم العثور على اللولب، وعليه فقد تم خياطة البطن من دون أن تحل المشكلة.

وذلك لأن اللولب حسب قول الجراح قد وصل إلى العمود الفقري، ووجده ملتصقاً به فخشي علي من الشلل في ما لو اقترب المشرط من الفقرات، وهكذا وجدتني أخضع لمخاطرة عملية شق بطن بلا نتيجة سوى أنني تكبدت الألم والأذى والتشويه. لكن هل انتهت المشكلة؟

تقول أم جبران بأسى: لا لم تنته عند هذا الحد لأن الصدمة التي تلقيتها من طبيب آخر بعد ذلك هي أن مادة اللولب آمنة بمعنى أنها قد تذوب تلقائياً بعد مدة من الزمن، ويتخلص الجسم منها بشكل طبيعي وليس منها أي ضرر، إذن لم يكن لتلك العملية الجراحية (الفاشلة) أي مبرر ولا داع!

تأخذ أم جبران نفساً متعسراً وهي تمسح غزارة العرق عن وجهها ورقبتها في حين تلثم شفتيها بألم واضح وهي تقول: إن العملية التي أجريت لي هي التي تسببت لي بعد ذلك في مشكلات صحية عديدة وكبيرة، فمنذ ذلك اليوم لم أنعم بالعافية وبدأت الأعراض الغريبة تظهر وعندها بدأت زياراتي لعيادات الأطباء تأخذ شكلاً مكوكياً، ولم تنته إلا بإدخالي إلى غرفة العمليات مجدداً وهذه المرة ليس بحثاً عن اللولب الذي لم يعثر عليه لا في المرة الأولى ولا الثانية.

ولكن لاستئصال الرحم بعدما حرض التدخل الجراحي الأول الخلايا النائمة على الاستشراء ومن ثم الانتشار. ومن ذلك اليوم أصبحت كما ترون أبحث عن البراد بل البرد في الصيف كنت أو في الشتاء، ولا تفارقني قارورة الماء التي مهما كبر حجمها فإنها لا تكفي لإطفاء الهبات الحارة التي تعيق تنفسي وتؤثر حتى على نبضي.

أم جبران تغير جلستها، وتشرب ما تبقى في قارورتها من مياه وتقترب أكثر من المروحة الكهربائية القريبة أصلاً من وجهها لتقول: هذه تجربتي أنقلها لكل النساء وأحذرهن من الإهمال والاستسلام لمشاعر الأمان إذ قد تكون مشاعر مضللة خاصة إذا كانت إحداهن تتعاطى أدوية معينة أو هرمونات أو ممن يستخدمن موانع للحمل.

لأن العواقب كما هو واضح بالدليل ليست محمودة أبداً ولا مستحسنة على الإطلاق. وتختم قائلة: كنت في الحادية والثلاثين من عمري وقد مضى على تركيب اللولب خمس سنوات؛ تجاهلت فيها الفحص الطبي الدوري وأهملت المتابعة الضرورية، وتخلفت عن المراجعة الطبية الاعتيادية حتى وقعت المأساة.

سيدة عربية ـ أم جبران