تعمدت أن لا تلتقي عيناي بعينيها، واكتفيت بقول.. (وددت أن أبقى عندكم مدة أطول؛ لكن المسافة بعيدة وابنتي لديها فروض وواجبات مدرسية وعلينا أن نعود). ودعت ابنة عمتي وعبرة الأسى تخنقني ( ترى ألهذه المخلوقة فلسفة خاصة بها في الحياة تسلك على هداها هذا السلوك؟ أم فلسفة الحياة فرضت عليها ما هي عليه من خضوع وخنوع ومسكنة؟).
اشتغلت طوال الطريق ما بين المنطقة الشرقية ودبي أقلب صفحات في ملف الذكريات؛ ابنة عمتي زوجة مدللة.. البيت كبير وفيه جهزت مضافة كبيرة تستقبل القادمين؛ حيث يحظى الضيف بالترحيب والمآدب والراحة، وتحت إمرتها سائق خاص وخدم يلبون لها الأوامر من دون تردد أو تأخر؛ فهي السيدة وطلباتها أوامر.. ( رباه لا شيء يدوم ويبقى على حاله؛ دوام الحال من المحال.. سبحان الباقي الدائم) (أهو الحسد؟ هل بطروا النعم؟ أهو سوء التدبير؟!).
أسئلة جمة توالت علي، وتجيب عن نفسها في الغالب. لكنها الأخرى؛ نعم هي امرأة أخرى؛ انتزعت منها كل تلك الميزات والصلاحيات والمكانة؛ إنها الأخرى التي خربت بيت الأولى لتعمر على حطامه قصرا لها، وتستأثر لنفسها بالمكانة وقلب الرجل وجيوبه فقط رأت أن تبقي لها هذه الميزة والوحيدة.. أم العيال!!
حين فاجأت ابنة عمتي على الهاتف قائلة نحن قريبون من بيتكم؛ كنت أعلم أنها في اشتياق إلي وتهفو إلى ملاقاتي؛ لكني في الوقت ذاته أدرك معاناتها اثر هذا اللقاء، هي تعلم أنه يحزنني ويؤلمني ما وجدتها عليه. (أم العيال) لعيالها ليس إلا! ليس من صلاحيات تمارسها كزوجة أو حبيبة أو حتى أحد المقربين! فتحت لنا الباب حين وصلنا، وقد جئنا لأداء واجب العزاء قالت: ليتفضل أبو فلان ـ تعني زوجي ـ سأنادي له فلان ـ تعني زوجها ـ فبيتهم قريب.
ثم صارت تعتذر؛ فمضيفتنا تفتقر إلى أبسط الأشياء التي يمكن أن تقدمها لنا كضيوف قد أتينا من مكان بعيد؛ لم أشأ أن أزيد من ثقل ما تعانيه من انكسار؛ تحججت بالامتحانات والواجبات المدرسية وعدنا أدراجنا وقد خرجنا؛ لكن ( سأنادي فلان فبيتهم قريب من هنا) سجلت لدي اعترافا منها بأحقية الأخرى ـ الثانية ـ في أن تكون هي البيت والسكن تلك هي للبيت! أما هي الأولى.. فليست إلا أما للعيال!!
سليمى - دبي