قادمة من الزمن الصعب حسب تعبير غالبية الناس ممن عاصروا الماضي، سنوات قلة الدخل والموارد. ومنذ الساعة السادسة والنصف صباحا تتواجد في محيط السوق، تشارك باعة السمك في الرزق الحلال. تجاوز عمرها أكثر من سبعة عقود، لكن مظهرها لا يقول ذلك ولا تبدو عليه السنون. تكنى بأم داوود واسمها سلمى.
اختارت أم داوود موقعا على بلاط السوق، تعرض بضاعتها.. ما أنتجته يداها المعروقتان على صندوق خشبي صغير. وإن أنت لم تستيقظ باكرا فإنك لن تعثر عليها، فوقت عملها ينتهي عند العاشرة صباحا لتعود في الفترة المسائية بجولة أخرى من البيع.
تجلس أم داوود قبالة البحر بينما المارة والسيارات تهدر من خلفها فلا تعير انتباها لما يحدث. غالبا ما يحيط بها عدد من الأصدقاء ما لم يتواجد زبون ليشتري منتجات سلمى من الليمون المخلل على الطريقة المحلية، والسمن البقري والقاشع والبيض البلدي الطازج الذي تجمعه من خمس عشرة دجاجة تربيها وتعتني بها.
لكن لماذا تثابر هذه الجدة المسنة وبشكل يومي؟ وما هي الحاجة التي ألزمتها بهذا الروتين المستمر منذ عشرة أعوام على التوالي؟ هل تخلى عنها الأولاد أو الأحفاد؛ بعد أن انتقل المعيل إلى الرفيق الأعلى؟ إنها أسئلة انتفت جميعها حين اقتربنا منها، وكان الحديث الودود منهاجا يتخلله الدعاء المتواصل بالرحمة والمغفرة لأبي خليفة عليه رحمة الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ثم تثنّي بالشكر له والثناء على أفضاله.
مؤكدة أنها قد رأت الخير وتنعمت به وأولادها وزوجها في ظل حكمه وحكمته. فهي لم تفقد زوجها ولم يتخل عنها الأولاد داعية لهم بطول العمر والعافية، لتقوم بهذا العمل؛ لكنه اختيارها الذي يشعرها بالسعادة؛ إن ما تقوم به ليس بدافع الحاجة، وليس من باب الرغبة في تحسين مستوى المعيشة أو لزيادة الدخل وإنما هو أولا وأخيرا من باب المتعة..
(فأنا أتسلى بهذا العمل حين يحاصرني الملل بين جدران المنزل، وأنا المعتادة منذ الصغر على الحركة والعمل وخدمة نفسي ومن حولي). وتضيف: (أقوم بعمل هذه المنتجات بيدي هاتين، حيث أسحق سمك العومة ليصير (قاشعا) حين يجود به الموسم بعد التأكد من نظافته وتعبئته في (برطمانات) معدنية تقليدية.
أما (الآجار) وهو عبارة عن قطع الليمون والبصل والجزر مخلوطا أو على حدة، فأقوم بتمليحه وتخليله ووضعه في زجاجات كبيرة، إلى جانب السمن البلدي الذي أستخلصه من زبدة حليب البقر الطازج، وأضيف إليه النكهة التقليدية الزكية الناتجة عن مزجه بالكركم والكمون والقليل من الطحين).
لا تكمن سعادة سلمى فيما تحققه من عوائد مبيعاتها وإنما تنبع حسبما تقول من العمل (فهو جلب لي أصدقاء من كل مكان في الإمارات، كما أنه يتيح لي مشاهدة الناس والحياة يوميا، والمشاركة في الحركة التي أدرك أنها تجلب البركة. ليت أبناءنا وبناتنا يدركون فضيلة الحركة والتبكير في القيام بالأعمال، بدل الاتكالية والتأجيل والاستسلام للكسل).
سلمى تلك الأم الماهرة ذات الملابس السوداء والبرقع العريض هي المرأة الوحيدة الحاضرة بين الكم الكثيف من الباعة الأجانب، يعرفها كل العاملين في السوق، ويفتقدها جميع المرتادين فيما لو غابت يوما؛ حيث تلزمها أحيانا نوبات الربو على البقاء في البيت.
اللافت في أم داوود أنها تحدد دخلها اليومي بنفسها، فتقنع بأي مبلغ مهما كان زهيدا، وإذا حان موعد المغادرة فلا تتأخر عن الذهاب؛ لكنها لا تنسى أن تشتري الجريدة. ونسألها هل تقرئين الصحف؟ فتجيب بالنفي، وتضيف: (آخذ الجريدة يوميا للأولاد في البيت) كما تأخذ لهم (الايدام.. سمك طازج تنتقيه بعناية ثم تنتظر تنظيفه في السوق وهي تحتضن الصحيفة اليومية قبل أن تنهض ببضاعتها البسيطة متوجهة إلى سيارة الأجرة التي ستقلها إلى البيت. إنه الرضا وتحقيق الذات.
هي القناعة تلك التي تجعلها محبة لعملها ومنسجمة مع حياتها. أم داوود لا تتذكر كم مضى عليها من سنوات منذ أن قدمت من موطنها الأصلي عمان، قبل أن يستقر بها المقام وزوجها في الإمارات لتنجب الأولاد الذين أنجبوا لها الأحفاد؛ الذين شبوا عن الطوق ليصبحوا اليوم آباء وأمهات.
وعلى الرغم من مشاركة أم داوود مجتمع الرجال في العمل الحر، ومخالطتها اليومية لهم؛ إلا أننا فشلنا في إقناعها بالسماح لنا بالتقاط صورة فوتوغرافية لها، وكل ما سمحت لنا بتصويره هما يداها والبضاعة التي أنتجتاها. فما الإنسان سوى رأس مفكر وقدمين تسعيان ويدين تنتجتان و.. نفس.. إما طامعة أو.. قانعة؟!
ميسون عبدالله ـ الامارات
