(لم أجد في المنزل من يهتم بي أو يستمع إليّ، بينما وجدت بين أصدقائي ما فقدته في المنزل، فوالدي لا يعود إلى المنزل إلا مع ساعات الصباح الأولى مخموراً، فيما تقضي والدتي غالبية وقتها في زيارات للأقارب والصديقات أو رحلات التسوق، فكيف تنتظر من شاب بظروف كهذه أن يكون قادراً على النجاح في مدرسته أو تقديم سلوكيات سوية كما يقولون.. عموماً أنا لا أفعل شيئاً خاطئاً..فأنا لا أشرب الخمر على الأقل!!).

بهذه الكلمات افتتح مصطفى عقيل الطالب في إحدى المدارس الثانوية حديثه لنا أثناء جلوسه في إحدى الحدائق مع عدد من أصدقائه وزملائه في المدرسة نفسها الذين تحفظوا في البداية عن المشاركة في هذا الحديث، الأمر الذي تطلب جهداً لإقناعهم بأهمية الوقوف على وجهة نظرهم في ما يسمى بمشكلات المراهقة والانحراف لدى الشباب.

وقال محمد حسين، طالب ثانوي.. إن المشكلة من وجهة نظره ومن واقع تجربته الشخصية ترتبط بوجود خندق عميق بينه وبين والده بحيث لا يستطيعان التفاهم مع بعضهما، مؤكداً أنه وفي كل مرة يدخل في حوار مع والده لشرح أو تبرير احد سلوكياته يشعر وكأن النقاش يجري بين شخصين فقدا قدرة السمع، حيث ينتهي الأمر بسيل من الشتائم يطلقها والده عليه.

وأشار إلى أنه يتمنى لو أن والده يملك أذناً صاغية له، لافتاً إلى أنه يجد هذا الأمر متحققاً له بين أصدقائه الذين يستمعون إليه بعناية شديدة. وقال عبد الله خلفان، طالب ثانوية عامة إن المشكلة من واقع تجربته تتمثل بالإهمال الكبير من الوالدين للاحتياجات النفسية والمعنوية لأولادهم، حيث يعتقد الأهل بأن إغداق الأموال عليهم يعد كافياً ويلبي كل احتياجاتهم، مؤكداً بأن الأهل يخطئون كثيراً في ذلك وربما يخسرون أبناءهم نتيجة ذلك.

وأوضح بأن والده دائم السفر والانشغال بعمله ولا يراه إلا لماماً وعندما يلتقيان مصادفة أو يتحدثان بالهاتف لا يسأله إلا إذا ما كان بحاجة لأي مبلغ مالي، دون الالتفات لأي شأن آخر من شؤون حياته، مضيفاً بأن وضع والدته لا يختلف كثيراً عن والده فهي دائمة العمل والتواجد خارج المنزل للإشراف على صالون التجميل الذي تملكه حيث إنها لا تعود إلا المنزل إلا في وقت متأخر من الليل.

ورأى علاء العابد طالب ثانوي أن المراهق لا يعير أي اهتمام للبيت ويصب كل تركيزه على أصحابه خارج البيت، الأمر الذي يجعله يصارحهم بكل شيء ويرسم من خلال آرائهم مخططاً لأمور حياته، مشيراً إلى أن هذا الأمر يحمل بين ثناياه عواقب وخيمة خاصةً إذا ما كان أصدقاؤه من رفاق السوء. وعزى علاء أسباب ذلك إلى التقصير من قبل الوالدين وعدم توفير الجو المناسب لولدهم في البيت، وأيضاً عدم الاستماع إليه أو احترام آرائه وتقديرها من قبل الأسرة ما يدفعه للبحث عن التقدير والاحترام.

ولفت حسين مخزوم طالب ثانوي ومن واقع تجربته الشخصية إلى أن أحد أسباب المشاكل التي يواجهها الشباب تعود إلى الأب الأناني والبخيل الذي لا يفكر إلا بنفسه وبمصلحته والذي يؤدي إلى تعميق الإحساس بالحرمان لدى الأبناء، مشيراً إلى أنه يعاني الأمرين من أبٍ لا يعطيه مصروفه إلا بعد جدال طويل وتدخلات متكررة من والدته، وبالرغم من ذلك فإن والده يعطيه مصروفاً أقل من كل أصدقائه ما يجعله دائما يشعر بالنقص أمامهم خاصة وأنه مضطر لتقبل المساعدات منهم عندما يقررون الدخول إلى أحد المطاعم أو الدخول إلى السينما أو غير ذلك من الفعاليات المختلفة.

ويضيف أن والده وعلى الرغم من تقتيره الشديد بحق أفراد الأسرة تجده يتفنن في شراء أغلى الملابس والعطور لنفسه، بالإضافة إلى تنظيم رحلات سفر خارجية مع أصدقائه سنوياً تشمل دولاً في شرق آسيا وأوروبا، لافتاً إلى أنه حاول مرات عدة فتح حوار مع والده بهدف إحداث تغيير في سلوكه إلا أن والده وفي آخر مرة قال له كلمة منعته من التفكير مجدداً بالتطرق إلى هذا الموضوع بقوله ( إذا لم يعجبك الحال لدي يمكنك أن تبحث لنفسك عن مكان آخر أفضل).

مرحلة المراهقة - التفاعل الاجتماعي يؤدي لتحقيق الذات

قال الأخصائي الاجتماعي والنفسي أيمن أبو شقرة إن الأسرة التي ينشأ فيها الفرد لها الأثر القوي في كثير من تصرفاته وسلوكه، وهي الإطار الرئيسي الذي ينمو فيه من سن الطفولة حتى مرحلة المراهقة على الأقل، فالأسرة تقدم ما يحتاج إليه الطفل من النماذج ومن المعايير على الصعيد الوجداني، والاجتماعي، والمهني، والفكري، والأخلاقي، لكي يؤدي وظائفه مستقبلاً.

مشيراً إلى أن سنوات مرحلة الطفولة والمراهقة تعتبر ذات أهمية حاسمة بالنسبة لتطور الفرد من جميع النواحي في السنوات التي يكتسب فيها الطفل اتجاهاته ومواقفه الأساسية إزاء نفسه وتجاه الآخرين، كاحترام الذات، والحب والكراهية، والصدق والكذب، والثقة بالنفس أو الخوف، مؤكداً أن الأسرة يمكن أن تشجع النمو أو أن تعوقه بما تنقله للطفل من قيم وإمكانات وقدرات.

كما أنها تقدم له نماذج للدور الذي يمكن أن يلعبه مستقبلاً وتحدد له بدورها أساليب لتحقيقها، وتوفر الأسرة للطفل العناصر الغذائية، والحسية، والاجتماعية، والوجدانية، والفكرية من أجل نموه. فإذا ما تعذر على الأسرة أداء هذه المهام، بسبب الضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية أو الوجدانية.

فلا بد من التوصل إلى حلول بديلة تحقق الغرض ويتضح دور الأسرة في الوقاية من المخدرات في عدة مظاهر وأدوار وقائية وعلاجية ابتداء من مرحلة البناء والنمو الجسمي، والنفسي للطفل، عن طريق التفاعل الاجتماعي وتحقيق الذات في مواجهة مستجدات الحياة، والاستقلالية في مواجهتها، إلى مرحلة البناء السلوكي.

الذي يتجلى في توعية الأبناء التوعية السليمة لوقايتهم من الانحراف، وتوجيههم التوجيه السليم في اختيار الأصدقاء، واختيار برامج التلفاز المناسبة، ومتابعة سلوكيات الأطفال المبكرة، والتي تعتبر أساس اكتشاف أية مؤثرات انحرافية يمكن السيطرة عليها وتقويمها، إذا ما تم التعرف عليها في مراحلها الأولى.

مشاكل متفرقة

جمال رشيد، طالب ثانوي يقول ان مشكلته تتشابه في بعض جوانبها مع معاناة صديقه حسين، لجهة بخل والده حيث رفض في إحدى السنوات دفع الأقساط المدرسية له، الأمر الذي جعله يعمل في أحد المطاعم في تلك السنة لتأمين مصاريف المدرسة في العام التالي، موضحاً بأن المعاناة تمتد إلى كون والده من رواد النوادي الليلية .

كما سمع من كثير من الأصدقاء الذين شاهدوا ذلك بأم أعينهم، لافتاً إلى أن كافة الدلائل كانت تؤكد حدوث مثل هذا الأمر، إذ كان الأب يعود إلى المنزل في كثير من الليالي مخموراً ما يشعل نيران شجارات حامية مع والدته التي كانت (كما يقول) تصبر على كل شيء إلا تعاطي الخمر والرذيلة.

جمعة سلمان «طالب جامعي»: هناك عوامل عديدة تقف وراء مشكلات الشباب والمراهقين، منها وجود حالة من التأرجح بين التقاليد السائدة والتيارات المستوردة، وهو ما جعلهم يفضلون تقليد الغرب و ظهر ذلك جليا في ميلهم للعنف والجري وراء المخدرات والكحول ووضع العلاقات الغرامية المحرمة في أولويات أجندتهم وما إلى ذلك من مفاسد تؤثر تأثيراً مباشراً على الفرد والمجتمع.

سعيد السويدي طالب جامعي يشير إلى أن انتشار العديد من مظاهر الفساد بين الشباب والمراهقين يعود إلى إحساس الشباب بالإحباط واليأس بسبب التغيرات الاجتماعية السريعة وما قد تفرزه من معطيات حيث يعمد إلى الجريمة والسرقة والإدمان للهروب من هذا الواقع.

خالد اللوباني