في الوقت الذي نجد فيه بعض المعاقين يلجأون للعزلة والانطواء، مستسلمين لعجزهم، الذي لا ينفك يتنامى فيهم، نجد معاقين كثراً تحدوا عجزهم، واستطاعوا القضاء على نظرة الناس لهم وحطموا أسوار العزلة والخوف وشقوا طريقهم بنجاح، ويذكر لنا التاريخ بعض الرياضيين الذين خرجوا للعالم أيام الحرب العالمية الثانية على يد الدكتور لوديج جوثمان بهدف إعادة التوازن لهم.

حيث انتشرت بعد ذلك في أوروبا وأميركا أنواع مختلفة من الرياضات الخاصة بهم، لتصل بعد ذلك للبلاد العربية، فكانت الكويت أول دولة خليجية اهتمت بهذه الرياضات، وبعدها البحرين وجاء دور الإمارات في العام 1987. وعلى الرغم من أنها بدأت متأخرة عن تلك الدول إلا أنها تجاوزتها بتحقيق النجاحات العربية والعالمية ووضع معاقوها بصمة لبلدهم ورفعوا علمه في بطولات مختلفة.

وللحديث أكثر عن رياضة ذوي الاحتياجات وإنجازات لاعبيها التقينا نصيب عبيد سبيت لاعب منتخب الإمارات للكراسي المتحركة، ليتحدث عن تجربته وما حققه خلالها من إنجازات. يقول نصيب أصبت بشلل أطفال وأنا في السنة الأولى من عمري، بسبب إبرة خافضة للحرارة تم حقني بها في مكان خطأ.

ولم يكتشف أهلي الأمر إلا بعد عدة أيام، وبدأوا بعلاجي وتحسن وضعي، ففي سن الرابعة استطعت أن أحبو، وبقيت على هذه الحال أربع سنوات أخرى، ثم أجريت لي عملية في أحد مستشفيات أبوظبي، وعندما بلغت الثامنة من عمري تمكنت من المشي، مستعيناً بالعكازين.

عندما بدأت المشي كان أخي يذهب للمدرسة، فكنت صباح كل يوم أقوم بتوصيله لحافلة المدرسة لأربعة أيام، وفي اليوم الخامس تجرأت وصعدت معه وعند وصولنا للمدرسة يتجه هو للقاعات الصفية، وأبقى أنا منتظراً في الساحة، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام لاحظ المدير وجودي، وأخذني معه للمكتب وسألني ماذا أفعل ومن هو أخي وطلب مني إحضار والدي في اليوم التالي.

وفعلاً ذهبنا برفقة والدي أنا وأخي وطلب المدير تسجيلي في المدرسة، في بداية الأمر لم يحبذ والدي الفكرة، بسبب خوفه عليّ من التعرض لأي حادث طارئ، لكن المدير أكد له أنني سوف أكون تحت رعايته، فوافق والدي وتم تسجيلي، في أيامي الأولى واجهت صعوبة في صعود ونزول الأدراج، لكنني تأقلمت بعد ذلك.

وكنت من المتفوقين بالمدرسة، وكان دافعي إثبات وجودي، حتى يتأكد الجميع أنه لا ينقصني شيء عنهم. أثناء دراستي لمواد الصف الثالث ثانوي سمعت عن نادي الثقة للمعاقين، فأثار ذلك فضولي وأحببت أن أعرف ماذا يوفر النادي لفئته، فذهبت وسجلت اسمي فيه لتطوير هوايتي الرياضية، كنت أتدرب يومياً.

رغم أنني أحضر إلى الشارقة من الفجيرة، في البداية واجهت صعوبة في ممارسة ألعاب القوى، لأنها من الرياضات التي يكون الاعتماد الأكبر فيها على اللاعب نفسه، حيث يتدرب ويتعب لوحده، وقد أثبت فيها جدارتي، واستطعت المشاركة في بطولتين عربيتين الأولى في تونس وحصلت على الميدالية البرونزية، وبعدها في مصر ونلت الميدالية الفضية.

بعد ذلك تفرغت للدراسة وحصلت على شهادة الثانوية العامة، والتحقت بكلية التقنية واخترت تخصص إدارة الأعمال، وتابعت نشاطي في النادي، وشاركت في بطولة بالسعودية، وبعدها شاركت في أتلانتا عام 1996، لكنني أصبت خلال البطولة في كتفي، واضطررت للانقطاع عن الدراسة.

وبعدها بدأت أتدرب للمشاركة في بطولة سيدني، وكانت هذه البطولة مهمة بالنسبة لي، لذا عقدت العزم على تحقيق النجاح واستطعت الحصول على الميدالية الفضية في مسابقة(400 متر جري بالكرسي المتحرك). الرياضة تأخذ جزءاً كبيراً من حياتي، ولا أفكر في الاعتزال، وإذا اعتزلت اللعب سأقوم بتدريب ذوي الاحتياجات الخاصة.

فالرياضة علمتني الصبر، والتحدي، والمجازفة، والأخلاق الحميدة، كما كسبت من خلالها العديد من الأصدقاء، وهي التي جعلتني بطلاً عربياً من خلال حصولي على عدد من الميداليات أثناء مشاركتي في البطولات العربية والدولية، كما أنني الآن أستعد للمشاركة في بطولة بكين هذا العام، حيث أتدرب ستة أيام في الأسبوع.

يقول نصيب: المشكلات التي واجهتها في حياتي الاجتماعية، كانت تنحصر سابقاً في نظرة الناس والأقارب لي، لأنني كنت أشعر أنهم يعاملونني بإشفاق واسمع كلماتهم، التي تثير غضبي مثل «حرام ومسكين»، لكنني تجاوزت تلك النظرة عبر اختلاطي بالمجتمع فنجحت في عملي ودراستي بل تفوقت على أقراني الأسوياء.

وعملت كل شيء يستطيع أي إنسان سوي القيام به، وبعدها تزوجت من فتاة وأنجبت ثلاثة أطفال منها ولم أواجه أي مشكلات وما ساعدني أكثر على تخطي نظرة المجتمع والتغلب على إعاقتي التركيز الإعلامي على رياضة المعاقين والإنجازات التي حققتها والبطولات التي حصلت عليها.

سمانا النصيرات