مهنة المحاماة مهنة سامية، والخوض في غمارها يفرض على المرء درجة عالية من المسؤولية والحساسية الاجتماعية، وذلك لأنه يتعامل مع أسمى مبدأ إنساني يسعى إلى تحقيقه ألا وهو العدل الذي وصفه ابن خلدون بأنه أساس العمران... وهي مهنة إنسانية بالدرجة الأولى مقوماتها الصدق والتضحية والتفاني بالجهد والوقت، فالدقيقة من وقت المتهم قد تكلفه حياته، إن لم يكن المحامي قادرا من حيث التأهيل والكفاءة والخبرة.

إلا أن بعض من ولجوا هذا المجال لم يعطه الحق الذي ينبغي له مما تسبب في بروز ظاهرة مقلقة لكثير من الناس، خاصة الذين لهم قضايا في أروقة المحاكم أو لهم أقرباء متهمون ببعض الجرائم الجنائية والأخلاقية، وتتمثل هذه الظاهرة في تخلف بعض المحامين عن حضور الجلسات أو الدفع بالمرافعة في القضايا التي تكفلوا في القيام عليها واستلموا أجورا في مقابل تعهدهم بذلك.هذا الغياب لابد أنه كان سبباً في ضياع الحقوق أو فقدان حكم قد يكون في صالح المتهم، والغريب أنه بعض هذه المشكلات بين المحامي وموكله وصلت هي الأخرى إلى قاعات المحاكم حيث اشتكى البعض على محاميهم، بينما فضل البعض الآخر إلغاء التوكيل والبحث عن محام أكثر كفاءة.

كمال مصطفى أبو خشب يتحدث بمرارة عن قضية ابنه التي وقعت بيد محام غير كفؤ - حسب قوله - ولم يتعامل معها بالمصداقية التي يجب ان يكون عليها كمحام ويصف ما حدث له: اتهم ابني منذ أكثر من ثلاث سنوات بقضية جنائية، وذهبت أبحث عن محام له لكي يترافع عنه في المحكمة.وفعلاً دلوني على واحد منهم وذهبت إليه لكي اشرح له قضية ابني المدان، واتفقنا على أن يتولى القضية، لكن للأسف الشديد كان الوقت يمر دون ظهور أمل ببراءة ابني، بسبب عدم جدية المحامي في التعاطي مع القضية، الأمر الذي دفعني لإلغاء التوكيل والبحث عن محام آخر .

وجدت أنه يقوم بواجبه بالصورة التي أثلجت صدري وأعادت لي الأمل بعودة ابني إلى أمه وإخوته، والآن وصلت القضية إلى الاستئناف وأتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يحصل على براءته وأن يعيش في أمن وأمان في هذا البلد الطيب الذي ولد وتربى فيه هو وإخوته، أما ما حصل له فهو في نظرنا قضاء وقدر وامتحان من الله سبحانه وتعالى.

ويصف محمد ع. أ حالة قريبة هي الأخرى من سابقتها حدثت بعد توكيل محام للدفاع في قضية ابنه على الرغم من ظروفه المادية القاسية ويقول عن تجربته: وقع اختياري على أحد المحامين على أمل أن تكتب البراءة لابني، لكن ما حصل بعد ذلك هو أن ذلك المحامي لم يأخذ القضية على محمل الجد وتغيب أكثر من مرة، لذلك قمت بتغيير المحامي وألغيت التوكيل السابق.

وتتكرر المأساة مع السيدة م. محمد إبراهيم التي تذكر أنه حصل خلاف بينها وبين زوجها، وتفاقم الخلاف حتى وصل إلى الطلاق ورغبة في حسم المسألة التي تطورت إلى تهديدها بالحرمان من أولادها لجأت إلى أحد المحامين وتصف حالتها فتقول: ذهبت إلى المحامي واتفقنا على الأتعاب ودفعتها له كاملة.

وبدا في أول الأمر متحمساً ثم بدأت ألاحظ كثرة تأجيل الجلسات، فعرفت أن الرجل يتلاعب في القضية فلم أسأله عن سبب ذلك وإنما طلبت منه إلغاء التوكيل بيني وبينه، لأذهب إلى محامٍ آخر شعرت منه الجدية والحماسة، وبالفعل انتهى الأمر بالحكم لصالحي.

المشكلة في «الأتعاب»:

المحامي محمد عبدالله الرضا رد الخلافات التي تقع بين المحامي وموكله إلى عدة أسباب أبرزها من وجهة نظره هي مسألة دفع الأتعاب ويقول في ذلك: السبب الرئيسي لتلك المشكلة هو دفع الأتعاب إذ يلجأ البعض للتملص من دفعها، كما أن هناك سبباً أخر وهو عدم وجود لغة مشتركة بين الطرفين، الأمر الذي يؤدي إلى إلى عدم الوضوح في أركان القضية.

كما أن بعض الموكلين لا يعطي التفاصيل كاملة للمحامي حتى يقوم بدوره على أكمل وجه، وإن أعطى التفاصيل تكون على مراحل ويفاجأ المحامي كل يوم بمعلومة جديدة، وعندما نجمع كل هذه الأسباب سوف تتضح لنا الصورة عن أسباب الخلافات التي تحصل بين الطرفين، زد على ذلك أن بعض الموكلين لا يبحث عن اسم المحامي ومدى إلمامه بالقانون، بل يستسلمون لأول محام يقابلونه دون أن يعرفوا إمكاناته وخبرته.

بينما ترى عائشة راشد الطنيجي المحامية والمستشارة القانونية ورئيسة لجنة المحامين بجمعية الحقوقيين أن المسألة هي حالات فردية يمكن حدوثها ولا تصل إلى الحد الذي أصبحت فيه ظاهرة، وتقول: علينا أولاً أن نعي جيداً مستوى وعي بعض المدعين أو الموكلين الذي يعتقدون أن المحامي بيده البراءة وهو وحده القادر على إنقاذ الضحية أو المتهم، وهذا أمر ليس صحيحاً، فالقضية تقوم على أدلة وبراهين وإثبات حالة.

وعلى المحامي تتبع هذه الخيوط لمعرفة الحقيقة ومن ثم بناء مرافعته، وفي حالات الحكم يعود الأمر إلى القاضي وعلى المحامي المتابعة في الاستئناف، وتكمن المشكلة هنا في المدعي أو الموكل الذي يكون غالباً هو المقصر في عدم متابعة قضيته مع المحامي ومناقشته بل ومعرفة ما تم بالجلسات أولاً بأول فيما يخص قضيته.

وكذا موافاة المحامي بكل ما يستجد، بمعنى آخر أن الطرفين مسؤولان وعلى كل واحد منهم أن يتعاون مع الآخر، وفي حالة وجود مثل هذه الحالات نتمنى من الزملاء المحامين أن يكونوا صرحاء مع موكليهم بتوضيح خيوط القضية ودراستها جيداً وإعطاء الموكل فكرة عن مدى نجاح القضية من فشلها، ولا يبالغوا في نشر روح التفاؤل في قضية لم يتم دراستها جيدا حتى لا يصبح المحامي الخصم الأول للمدعي وهذه كثيرا ما نراها في أروقة المحاكم حيث نرى المحامي في حالة فشله وقد تحول إلى عدو.

ولا ينكر عدنان احمد الحمادي رئيس قسم شؤون المحامين والخبراء بمحاكم دبي وجود خلافات بين المدعي والمحامي ويؤكد أنها تقع أحيانا بين الزملاء المحامين أنفسهم، وبناء على ذلك يقول الحمادي: لحل مثل هذه الخلافات شكلت لجنة خاصة بالمحامين يرأسها رئيس محكمة وفيها قضاة ينظرون في هذه الحالات.

ومن خبرتي الطويلة في هذا المجال ومتابعتي لكثير من قضايا الخلافات، لاحظت أن مجمل القضايا تكمن في الأتعاب خاصة إذا خسر المحامي القضية رغم وجود اتفاق بين الطرفين، وفي مثل هذه الحالة نوجه الطرفين إلى الجهة المناط بها المشكلة، ولدينا قائمة طويلة لهذه الحالات وغيرها مثل قلة كفاءة بعض المحامين أو حديثي التخرج.

وأحياناً يأتيني البعض يريد مني تسمية محام له، هنا أعتذر حتى لا أكون ملاماً إذا ما أخفق المحامي، وأنصح أصحاب القضايا أو من يريد أن يوكل محامياً أن يتوخى الحذر فيمن يختاره، فالقضية ليست حقل تجارب والمدعي أو الموكل يريد أن تنجح قضيته ويكسبها.

إحصائية

يقدر عدد المحامين المواطنين في الدولة بأكثر من 700 محامٍ منهم نحو 400 مقيدون في جدول المشتغلين و300 في جدول غير المشتغلين، وهناك المئات منهم يتخرجون سنوياً في المعهد القضائي ولا يجدون عملاً أو يتحولون عن مهنة المحاماة للعمل في جهات حكومية أخرى، نظراً لتدني رواتبهم في مكاتب المحاماة، فضلاً عن عدم مقدرتهم على فتح مكاتب خاصة بهم.

موقف - المطالبة بمنع الوافدين من المرافعة

دعا رئيس مجلس إدارة جمعية الحقوقيين محمد صقر الزعابي إلى ضرورة تفعيل قرار مجلس الوزراء بمنع ترافع المحامين الوافدين أمام محاكم الاستئناف والابتدائية، وإصدار تعميم بهذا الأمر إلى جميع المحاكم للعمل به خصوصاً وأنه لم يصدر عن مجلس الوزراء قرار بتمديد المهلة التي انتهت.

وأشار إلى أن لجنة المحامين في جمعية الحقوقيين قد شكلت وفداً التقى وزير العدل الدكتور هادف الظاهري، في مسعى لنقل مخاوفها من أية محاولات لتأخير تطبيق قرار إلغاء ترافع المحامين الوافدين أمام محاكم الاستئناف والابتدائية، ووعد الوزير ببحث مطالبهم.

وأكد الزعابي رفضه لأي تمديد لترافع المحامين غير المواطنين أمام المحاكم الابتدائية، موضحاً أن دول العالم لا تسمح لغير أبنائها بالترافع أمام محاكمها، وتضع شروطاً استثنائية لمزاولة المهنة، وقد يسمح للوافدين بالعمل كمستشارين أو في وظائف مساعدة في مكاتب المحاماة.

مشكلة: قال محامون إن نقص عدد المترجمين المختصين وضعف آلية عملهم في محاكم دبي وراء تأخر الجلسات التي تستدعي حضورهم، مطالبين بزيادة عدد المترجمين ورفع مستوى كفاءتهم لتسريع الفصل في القضايا، معتبرين أن الترجمة لا تزال بدائية، على الرغم من تطور الخدمات التي تقدمها محكمة دبي.

من جانبها، نفت رئيسة شعبة الترجمة والطباعة في محاكم دبي، عائشة الهاملي، تأخر الجلسات بسبب الترجمة، وقالت إن هناك عقبات عدة أمام تعيين مترجمين جدد، أبرزها نقص الخبرة وضعف المؤهلات، لافتة إلى أن هذه هي المشكلة التي تواجه العمل في المحاكم.

جميل محسن