لعل طوفان الحضارة الحديثة واللغة الرقمية الجامحة لم يعد يستطيع الوقوف في وجهه التمسك بأساسيات الهوية الاجتماعية التي تميز مجتمعاتنا، فبتنا نلاحظ سطوته على عاداتنا وتقاليدنا وثوابتنا، ولا أدل على ذلك من فورة المصطلحات الشبابية والتقليعات اللفظية الغريبة علينا التي أخذت بالانتشار بين الشباب كالنار في الهشيم لتغدو أسلوب التفاهم الذي لا يستوعبه سوى شريحة معينة من الشباب.
ففي الوقت الذي يتعذر على الكبار فك طلاسم مفردات لغتهم -إذا جاز التعبير- يبتكر الشباب كلمات تتردد على ألسنتهم كل حسب وطنه الأصلي؛ ففي مصر مثلاً حول الشباب كلمة مرح إلى «روشنة»، وفي الأردن عكف الشباب على استخدام لفظ «طقع» بمعنى رائع و«خف عقلي» بمعنى قادني إلى الجنون وغيرها من العبارات .
هذه الظاهرة وان جاز إطلاق صفة الظاهرة عليها نظرا لتفشيها كوسيلة تفاهم بين شباب الوطن العربي أقلقت التربويين وعلماء الاجتماع واللغة باعتبارها من وجهة نظر متخصصة مؤشراً خطيراً يعكس حالة الفراغ وهشاشة اللغة والتدني الأخلاقي والسلوكي لدى الشباب في بعض المجتمعات .
وبحكم الخصوصية التي تحظى بها الدولة من خلال احتضانها لعشرات الجنسيات فقد انتشرت هذه الظاهرة في المدارس والجامعات والمراكز التجارية ومختلف الميادين، وعكف بعض التربويين ووسائل الإعلام المختلفة وأصحاب الشأن على استنكار هذه اللغة الهجينة ووصف من يستخدمها بالضائع.
وعلى الجانب الآخر اعتبر البعض أن هذا حق للشباب الذين يرزحون تحت ظروف خاصة ويتعرضون للعديد من المؤثرات كالانترنت والمحطات الفضائية والسماء المفتوحة والعولمة وانعكاس هذه العوامل الخطيرة التي تسيطر على حياتهم بالكامل، لافتين إلى أنهم أبرياء من دم اللغة العربية التي تعاني من الانهيار والزحف الغربي عليها وشيوع العامية وأن الشباب جيل مظلوم لم ينصفه المجتمع ولا الظروف المحيطة به فهو بين جنة الانتماء للهوية ونار تأثير الآخر.
يتحفنا الشاب علاء بيومي بالعديد من المفردات التي تنتمي للقاموس الشبابي الحديث فيقول: «الحكاية في الامبلايز» أي الأمور سيئة جدا، و«واد شامبو» أي فتى طيب و«كوزك لحد منعوزك» يعني لا تحشر انفك في شيء لا يعنيك و«انفضلك » بمعنى اتجاهلك.
ويرى أن هذه المفردات وغيرها منتشرة بين الأوساط الشبابية في الجامعات المصرية والمدارس الثانوية بشكل لافت للنظر ولا يقيمها احد على أنها ممارسة خاطئة بقدر اعتبارها تقليعة شبابية تواكب صرعات العصر، مشيرا إلى أن الشباب جيل مظلوم نشأ في ظل ظروف قاهرة سيطرت عليها ثقافة الاستهلاك والعولمة والفساد والبطالة والمستوى التعليمي والمعيشي المتدهور في مقابل تراجع الثقافة الجادة وغياب القدوة .
تدهور اللغة
الدكتور فؤاد مصطفى المتخصص في اللغة العربية وادابها يرى أن اللغة العربية تعيش حالة تدهور كبير جراء هذا التعدي من قبل الشباب مؤكدا أنها لغة تافهة ركيكة تعبر عن حالة الضياع الاجتماعي التي يعيشها الشباب العربي و الانقسام بين جيل الآباء والأبناء .
وعزا أسباب اتجاه الشباب لهذه اللغة إلى السيل الهابط من الأغنيات والأفلام التي تعرضها المحطات الفضائية وسيطرة اللهجة العامية وحالة الانسلاخ الذي يعيشه الشاب العربي فعمد إلى اشتقاق لغة غريبة غير مفهومة أقحمها على السياق اللغوي مؤكدا أنها تحمل تداعيات تهدد مستقبل الأمة، ومستقبل جيل الشباب .
وأكد الدكتور مصطفى أن اللهجة السائدة بين الشباب ما هي إلا انعكاس للمرحلة المتردية التي تعيشها المنطقة العربية من تغريب وتقليد وتأثر بالنموذج الغربي في الحياة، مشيرا إلى إن هذه الصيحات كلها محاولة لتقليد نموذج الآخر القوي خاصة وأن الشباب يفتقدون لعنصر التفاعل مع ثقافتهم ومجتمعاتهم . وأضاف أن الظروف التي يمر بها الشباب العربي وتلقيه لرسائل إعلامية وترفيهية ترتكز على لغة هابطة بسبب ارتفاع معدلات البطالة، كلها معطيات تصنع جيلا محبطا متمردا .
وقال إن اللغة ظاهرة اجتماعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبناء الاجتماعي وقال أن الأهالي باتوا في غربة عما يسمعونه يومياً من تعابير ومفردات، تخرج من أفواه أولادهم وتتناهى الى اسماعهم، دون ان يستطيعوا فك رموزها، او فهم دلالاتها المستجدة. مشيرا الى ان الشباب هم الأقدر على تطويع اللغة وتسهيل استخدامها وصولاً الى تحويرها والعبث بها بالاستخدام المطرد لخليط من الكلمات والتعابير الوافدة، في التخاطب اليومي .
واعتبر اختراع هذه اللغة طريقة مباشرة لإبداء الاحتجاج، حيث يحيط الشباب أنفسهم بلغة خاصة بهم تفصلهم عن لغة البالغين لغة يفهمونها ويتفاهمون بواسطتها، باعتبارها مناقضة للقواعد والتقاليد (اللغوية والاجتماعية).
الكلمات البديلة للدعابة فقط
شيوع التحدث بهذه اللغة المليئة بالمفردات والاصطلاحات والعبارات والتركيبات الغريبة والعجيبة أثار جدلاً كبيراً ولغطاً واسعا بعد أن طغت بصورة ملفتة على أحاديثهم وباتت تقلد من قبل الفتيان وتنتقل بصورة صاروخية إلى الأسر متسللة إلى الأفلام والمسلسلات كأسلوب يتكئ عليه البعض في التعبير عن مبتغاهم وشخصياتهم .
ولا ينكر عمرو عبد العزيز طالب جامعي مصري استخدامه بعض المصطلحات والألفاظ مؤكدا في الوقت نفسه رفضه لما يشاع بأن هذه اللغة مسؤولة عن تدمير اللغة العربية وبأن من يتكلمها جيل ضائع وينتمي إلى طبقة اجتماعية دنيا، مضيفا أن استخدام هذه الكلمات يندرج على سبيل المداعبة والضحك وخلق أجواء من المتعة والفرح وليس بقصد تدمير أي شيء.
فيما قال محمد السوسي من المغرب إن عدداً كبيراً من الشباب العربي على وجه العموم والشباب المغربي على وجه الخصوص يحلم بالهجرة خارج الوطن مشيرا إلى انه غير راض عن مستوى المعيشة في بلده وغير مطمئن على مستقبله، لافتا إلى أن الاختباء وراء هذه اللغة والمفردات ليس الا أسلوباً للهروب والهجرة خارج أسوار المجتمع .ا
ستلاب حياة
* قالت طالبة إماراتية لم تشأ ذكر اسمها هناك بعض الألفاظ التي نتداولها في أوساطنا وأصبحنا لا نتعامل إلا بها مثل «فرنداتي» أي صديقاتي، و«بستتي» أي صديقتي المفضلة، و«إكستي» الزميلة التي أخرجتها من قائمة الصديقات.
* يصف عبد الله الزرعوني - طالب من أبنا ء الدولة لغة الشباب بالتقليعة والتي تنسجم مع العصر الرقمي المغرق بالاختصار والترميز، رافضا اعتبارها تحد صارخ لجيل الآباء والأجداد.
* قال الطالب حسن بالهول لا اعرف ما سبب هذه الثورة على الشباب وإطلاق الاتهامات وتضخيم المسائل.
واكد أن هذا النزوع وهذه الرغبة في اللعب على الألفاظ يندرج في سياق التفكه والمزاح، وبغية إيجاد كلمات جديدة تحمل معان مبتكرة لديهم.
* الطالب محمد بكري من مصر يتساءل عن سبب اعتبارهم جيلاً محبطاً، مفلساً، غارقاً في عالم مظلم ومستقبل مجهول مكبوت ومحروم من أبسط حقوقه في الحياة دون أن يفكر بالغد جيل من مستوى تعليمي سيء أشبه بمحو الأمية ومناهج عفا عليها الزمن، مشددا انه رد على استلاب حياة بأكملها مجرد كلمات احتجاجية.
