في ظل التقنية العالية التي يشهدها العالم بأسره ووسط التغيرات المتتالية وعصر السرعة وجد الإنسان نفسه حائراً حيال تلك التكنولوجيا التي تختصر المسافات والأزمنة وطال تأثيرها السلبي العلاقات الاجتماعية حتى أنها غدت متهمة بأنها سبب رئيس في القضاء عليها وعلى التواصل بين الناس عامة والأهل ونطاق الأسرة بصفة خاصة.

استطلعنا آراء عدد من الشواب والشباب حول تلك الظاهرة ومدى تأثيرها في العلاقات الاجتماعية حيث أكد معظمهم أنها قضت وقطعت حرارة التواصل الاجتماعي بين الناس حتى لو كانوا أقرباء من الدرجة الأولى. الدكتورة عائشة جاسم محمد خبيرة التطوير الإداري والاستشارات التربوية بوزارة التربية والتعليم تؤكد أن التواصل والزيارات يقويان من الروابط الاجتماعية والعلاقات الأسرية وصلة الرحم.وأن التزاور أمر لا بد منه مهما بلغت وسائل التكنولوجيا الحديثة من شأن، ومهما بلغ إيقاع الحياة من سرعة الأمر الذي جعل كثيراً من الناس يتخلون عن ذلك الشعور والسلوك الطيب في التزاور مستعيضين عنه بالرسائل النصية والمكالمات التليفونية.

وقالت: «أنا حريصة على التواصل الاجتماعي مع المجتمع من حولي سواء مع أفراد الأسرة أو زملاء العمل أو الفعاليات الأخرى المختلفة، وأن تلك الثورة الهائلة في التكنولوجيا لم تؤثر في علاقاتي الاجتماعية بل أعطتني دافعاً قوياً لمزيد من التواصل وأداء واجباتي الوظيفية في آن واحد».

وأكدت أن الثورة التكنولوجية الحديثة لها تأثير سلبي في حرارة التواصل الاجتماعي، يتمثل في قلة الزيارات والاكتفاء بالمكالمات الهاتفية والرسائل بدلاً من التواصل الحميمي. وأوضحت أنه يجب تثقيف الأبناء بضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية وتعليمهم القيم الحميدة وفوائد التواصل الاجتماعي مع الأقارب والأصدقاء عبر تكثيف حملات التوعية لطلاب المدارس وتنظيم زيارات متكررة لكبار السن بهدف غرس حميمية التواصل في نفوسهم.

وأشارت إلى إن للإعلام المرئي دوراً كبيراً في الحد من تلك الظاهرة وذلك بالتقليل من المسلسلات وبالذات الخليجية التي تدعو إلى التقاطع الأسري فتعكس أشياءً ليست في مجتمعاتنا، والتركيز على نشر مفهوم التواصل والتراحم والعلاقات الأسرية السمحة. ويرى عبد الله راشد الشامسي مدير الشؤون الاجتماعية بأم القيوين سابقاً أن التواصل الاجتماعي بين الناس كان قوياً على خلاف ما هو عليه اليوم، ففي السابق كان الجد والأب والأبناء وحريم الأبناء كلهم في بيت العائلة داخل حوش واحد يتواصلون ويتفقد بعضهم الآخر، إما الآن فإن أسلوب الحياة قد تغير، فاختفت الحميمية التي كانت من قبل حتى في الأعياد، والأبناء يعيدون على أبائهم بالتلفون لأن مشاغل الحياة أصبحت كثيرة.

عادات دخيلة

ويدعو الشامسي الشباب إلى أن يتمسكوا بدين الله وأن يتركوا العادات الدخيلة على مجتمعنا، وأن يأخذوا منها الصالح ويتركوا الطالح. وأن يزوروا والديهم لآن صلة الرحم تطيل في العمر ومن وصل رحمه وصله الله سبحانه وتعالى.

أما عبيد القعود مدير منطقة أم القيوين التعليمية فيؤكد أن وسائل الاتصال الحديثة تعتبر عاملاً مساعداً وحيوياً في التطور الذي حصل في شتى مناحي الحياة، إلا أن لها جوانب سلبية أثرت على شكل الترابط الأسري والمجتمعي الذي كان يسود قبل ظهور هذه التقنيات.

وأوضح أن كثيراً من الأسر ألغت دور التجمعات والزيارات الأسرية السابقة التي تساعد على توثيق العلاقة وترابطها واكتفت اليوم بإرسال الرسائل القصيرة أو الإيميلات التي تخدش حميمية التواصل والتكاتف والترابط الأسري. وأشار إلى أن هناك بعض الأسر المتفهمة التي وفقت ما بين التكنولوجيا والجوانب الأسرية والعائلية ومتطلباتها.

ونظمت أوقاتها بصورة تضمن استمرارية العلاقات الأسرية القوية التي كانت سائدة فيما قبل. وقال القعود: «رغم انشغالاتي الكثيرة ومتطلبات العمل إلا أنني خصصت أياماً للتواصل مع الأسرة والأقارب، وأنا أنتهز المناسبات الاجتماعية كالأعراس لتمتين أواصر العلاقة بيننا».

انغلاق على النفس

وفي السياق ذاته يقول محمد الطيب يوسف رجل أعمال مقيم بالدولة: «إن الثورة الحديثة في وسائل الاتصال برأيي سلاح ذو حدين، فمنها الجانب الإيجابي والسلبي، الإيجابي يتمثل في الحصول على المعلومة التي تريدها بكل يسر وسهولة خاصة في مجال التجارة.

والجانب السلبي هو انهيار العلاقات الاجتماعية نتيجة للاستخدام السيئ من قبل شريحة كبيرة من المجتمع وخاصة فئة الشباب من الجنسين، فيصبح الشخص منغلقاً على نفسه ولا يجد الوقت الكافي لمعرفة أحوال أقربائه فيكتفي بالسؤال عنهم عن طريق الجوال أو الانترنت».

وأوضح أن هذا التعامل السلبي مع التقنية أفرز مشاكل وصراعات نفسية وتحللاً في شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع بل بين الأسرة الواحدة، وعمق انقسام المجتمع على ذاته، وأثر بالتالي على تشكيل نمط الثقافة وسمات الشخصية.

وقال: «أما بالنسبة لعلاقتي مع أسرتي (الحمد الله) لم تتأثر كثيراً بما أفرزته تكنولوجيا المعلومات رغم مسؤولياتي وانشغالاتي الكثيرة، وأنا حريص على جمع العائلة وخاصة في أيام عطلات نهاية الأسبوع والمناسبات الأخرى حيث نقضي أوقاتاً ممتعة بعيداً عن الضجيج».

وتشعر دانيا الحمصي (صحافية) بالأسف من إدمان عدد كبير من الجمهور على التقنيات الحديثة وخاصة شريحة الشباب، حيث أصبح لكل شخص عالمه الخاص به وفي غنى عن التواصل مع العالم الآخر من بني جنسه مما أدى إلى فتور الحميمية والشعور بالألفة والمحبة وفقدان أي شعور بالتواصل الاجتماعي.

وتقول الحمصي: «أحرص دائماً على التواصل مع أسرتي وأصدقائي أينما كانوا،لأن زيارة الأهل والسؤال عنهم يولد لدى النفس شعوراً طيباً ولها وقع خاص فيها، فهي أفضل حميمية من التواصل بالوسائل الحديثة كالانترنت وغيرها».

من جانبها قالت ناهد أنور: «إن المناسبات الاجتماعية المختلفة قد طرأت عليها الكثير من التغيرات التي أبعدت الناس عن بعضهم، فلا الأعياد والعطلات العامة أضحت كما كانت من حيث تواصل الجمهور». وترى أن السبب في ذلك يرجع إلى هموم البعض ومشاغلهم الكثيرة التي باعدت بينهم وبين أسرهم ناهيك عن الأصدقاء والمعارف،.

وقالت: «إن هناك نمطاً جديداً من العلاقات الاجتماعية يمكن تسميته بالعلاقات الاجتماعية الالكترونية يتمثل في جميع أوجه الاتصال الإنساني الذي يتم بين أبناء المجتمع الواحد أو المجتمعات الإنسانية ككل كالصداقة والتعارف والزواج والمراسلات عبر الشبكة العنكبوتية.

مما ساهم في تكريس العزلة والتفتت خاصة بين فئات الشباب، فمعظم مستخدمي الشبكة العنكبوتية استعاضوا بها عن وسائل الاتصال المباشر وزيارة الأهل والأقرباء مع أفراد آخرين منعزلين في جماعات صغيرة محدودة الأهداف والغايات».

عزلة اجتماعية

الدكتور علم فريد أستاذ جامعي في علم الفلسفة قال: «إن وسائل الاتصال الحديثة أحدثت تغييراً كبيراً في حياة أفراد المجتمع وأثرت تأثيراً كبيراً في حميمية التواصل الاجتماعي فرمى الأفراد التواصل والتزاور وراء ظهورهم وبدوا يسعون وراء المادة وتأمين لقمة العيش».

وأكد أن ثورة التكنولوجيا الحديثة إذا لم تطبق بطريقة صحيحة فسوف تؤدي إلى عزل الأفراد اجتماعياً وتفكيك العلاقات بين الأفراد في المجتمع، فمعظمهم يقضون وقتاً طويلاً في التعامل مع الكمبيوتر والانترنت مما يؤدي إلى العزلة عن الآخرين طوال فترة الاستخدام الأمر الذي يولد لديهم فراغاً عاطفياً لأنهم يجدون في غرف الدردشة عبر المواقع المختلفة ضالتهم، فيضيعون وقتهم فيها لأنها أصبحت منتشرة بصورة مرضية، فهي تعبير عن فراغ عاطفي ونفسي ووجداني خصوصاً في عصرنا هذا.

وأكد أن غرف الدردشة يقبل عليها معظم الشباب نتيجة لغياب الضبط الأسري والهروب من العلاقات الاجتماعية المباشرة إلى علاقات محكومة بالسرية ومحاطة بالكتمان مأمونة العواقب في ظاهرها الا أنها في النهاية تقود إلى مزالق خطيرة، تعصف بحياة ومستقبل مستخدمها.

الداعية الإسلامي توفيق ياسر: يؤكد أن الإسلام لا يدين وسائل الاتصال الحديثة أو يدعو إلى رفضها، وهو في جوهره دعوة إلى العلم والاستفادة من إمكاناته في الدعوة، ولكنه ضد الإسراف وإهدار الوقت فيما لا يفيد لأن معظم الناس انشغلوا بوسائل الاتصال المختلفة وتناسوا التواصل وصلة الرحم، فهذا شيء سوف نحاسب عليه في الآخرة.

فالإنسان الذي يضيع وقته وجهده من دون طائل أو فائدة مباحة إنما ينفق عمره هباءً. فالدعوة موجهة إلى تنمية الوعي الديني والاجتماعي للشباب عن طريق العلماء ووسائل الإعلام.

عصام الدين عوض