في مجتمع الإمارات، المتنامي والمتطور والساعي دائما للحاق بركب الدول المتقدمة الذي تحرص فيه الدولة ممثلة في قيادتها على توفير الحياة الكريمة لكل أفراده، تطل علينا ظاهرة تحتاج إلى البحث في أسبابها ومسبباتها، ومعرفة كيفية معالجتها، وهنا نسميها ظاهرة أبناء الحكومة.

ونقصد بهم أولئك الذين يعتمدون على الدولة في كل شيء، الوظيفة ومنحة الزواج والسكن وعلاوة الأطفال، والأمر عندهم لا يتوقف عند طلب الضروريات بل يغوص في البحث عن توفير الكماليات، بما يقتل الرغبة في البذل لتدبير الاحتياجات.

تلك الظاهرة طرحناها كقضية استطلعنا خلالها الآراء فكانت هذه النتيجة: «أعتقد بأن الحكومة لم تقصر يوماً بحق أبنائها، فقد منحتهم كل شيء، ما جعل ذلك العطاء الدائم يسهم في خلق حالة من الاتكالية لدى بعض المواطنين، فلم يعودوا معنيين مطلقا في بذل أي جهد أو مال لمواجهة ما قد يعترضهم من مشكلات يومية، إذ يلجؤون لكتابة الاسترحامات والتظلمات إلى الجهات المعنية بحثاً عن الدعم لهم لمواجهة مشكلاتهم علما بأنهم يمتلكون دخلاً جيداً من العمل الذي وفرته لهم الحكومة، أو من المشاريع الخاصة التي يمتلكونها دون انتظار المساعدة من أحد.

إلا أنهم للأسف أدمنوا الاعتماد على الحكومة».. بهذه الكلمات لخص «منصور أحمد» إجابته عن السؤال الذي وجهناه له ولشريحة متنوعة من المواطنين حول حقيقة وجود فئة يمكن تسميتها ب«أبناء الحكومة» في المجتمع تعيش في حالة اعتماد شبه كامل على الحكومة في تسيير شؤونها..

وجهة نظره وإن تقاطعت في بعض جوانبها مع وجهات نظر أخرى إلا أنها ووجهت برفض مطلق من آخرين اعتبروا ما يقدم للمواطنين يدخل في إطار الدور الطبيعي الذي تقوم به الدولة ذات الأوضاع الاقتصادية الجيدة تجاه أبنائها، فيما يعتقد آخرون أن الدعم الحكومي الذي كان يراه البعض سابقا خطأ ويؤدي إلى الاتكالية فإنه الآن وفي ظل ظروف الغلاء فقد بات مطلوبا راهنا وبإلحاح بل الطلب من الحكومة لتقديم المزيد من الدعم للمواطنين لمواجهة آثار هذه الظاهرة التي طالتهم وبشكل واضح للعيان.

«منصور أحمد» قال إن الاتكالية وصلت لدى بعض المواطنين الذين قامت الحكومة ببناء مساكن فاخرة لهم في احدى مناطق دبي إلى التقدم بطلبات إلى الجهة المعنية لبناء مجالس داخل هذه المساكن وذلك بعد أن سكنوها، علما بأنهم من أصحاب الوظائف ويمكنهم بالتالي بناء الإضافات دون الحاجة إلى تقديم مثل هذه الطلبات إلى الجهة التي لم تقصر في بناء مساكن متميزة لهم روعي في تصميمها وبنائها كافة متطلبات واحتياجات الأسرة الإماراتية وخصوصيتها.

واشار«عبد الله علي» إلى ضرورة التنبه للمخاطر الاجتماعية التي يتسبب بها وجود مثل تلك الفئة الاتكالية ونموها في جسم المجتمع والتي يراها لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من المواطنين الذين تؤكد الحقائق المعيشة ازدياد قدرتهم بشكل واضح على تحمل المسؤوليات الكبيرة في إدارة المؤسسات المختلفة، لذا يطالبون بفتح آفاق عمل جديدة أمام أبناء الوطن وعدم الاعتماد على الخبرات الخارجية إلا في حدود معقولة.

وأشار عبدالله إلى وجود فئة قليلة تتعامل مع كرم قيادة الدولة وإحساسها العميق بالمسؤولية تجاه أبناء شعبها بشكل خاطئ لتغذية نزعات تطفل وكسل لديها، لافتا إلى أهمية عدم السكوت عنها في ظل النشاط الهائل الذي يبديه المواطن الإماراتي إجمالا في كافة الميادين.

وقال «عمر المري» بأن هذه المسألة لها جانبان لا يجوز إغفال أحدهما لدى طرح القضية للنقاش، فالأول يتمثل في وجود فئة قليلة أدمنت لعبة استغلال استعداد الحكومة الدائم لتقديم الدعم للمواطنين في كافة مناحي حياتهم بحيث أصبح أفرادها يتقدمون للجهات المعنية بطلبات مبالغ فيها لمواجهة مشكلة .

رغم أن دخلهم من العمل الذي تؤمنه لهم الدولة يمكنهم من تغطية النفقات المطلوبة دون عناء، بينما الجانب الآخر يتمثل في وجود فئة من المواطنين تستحق الدعم فعلا، ولا تندرج طلباتها التي تقدمها إلى الحكومة في إطار الاتكالية أو استغلالها، مشيرا إلى أن احتياجات أفراد هذه الفئة تزداد حاليا في ظل الغلاء الكبير والمتصاعد الذي تشهده أسواق الدولة.

مؤكدا ضرورة عدم السكوت عن ممارسات أفراد الفئة الطفيلية التي لا ينسجم وجودها أصلا مع الأفكار والرؤى التي يسير عليها المجتمع الإماراتي، ما يجعلها نغمة نشاز، يجب تعريتها وفضحها وتحفيز أفرادها للانخراط مجددا في مجتمع المبادرة.

لافتا إلى ضرورة عدم الخلط بين ممارسات تلك الفئة الطفيلية القليلة، وواقع حال الفئة التي تحتاج فعليا إلى دعم الحكومة، انطلاقاً من احتياجاتها وحالة الغلاء المتصاعدة التي تسهم في تعميق الأزمة ما يفرز المزيد من الاحتياجات الضرورية التي تنتظر أن يتم تلبيتها فعلا من قبل الحكومة.

وأوضح «ماء العينين سلامة» أن دور الحكومة إجمالا يجب ألا يتعدى تقديم الدعم للمواطن في التعليم بكل مراحله مع تأمين فرصة العمل المناسبة له بما يفتح الباب أمامه لإدارة شؤون حياته بكفاءة، لافتا إلى أن من يرى أن هناك دورا أكبر من هذا للحكومة تجاه المواطن فهو يسعى بالتأكيد إلى (النوم في العسل).

وترك الحكومة تدبر أموره، وهو نموذج يجب التصدي له لأنه يشوه حقيقة المواطن الإماراتي المبادر، كما أنه يمثل قدوة سيئة لأبناء المجتمع الذي بات في تحولاته خلال الأعوام الأخيرة قبلة للناس من شتى بقاع الأرض للاطلاع على التجربة الرائدة في الإبداع.

خالد اللوباني