في مشهد لم ترصده كتب التاريخ ولا خرائط الجغرافيا، تجاورت أربعة عشر بلداً في غرفة لا تتجاوز مساحتها 20 متراً مربعاً، إنه فصل دراسي لطلاب الصف الثالث الابتدائي.. الدقائق الخمس الفاصلة بين الحصص كانت لحظة تعارفنا، تقدمت أمارا وعرفتني بنفسها، وبزميلاتها، وعرفتها بنفسي وتولت مهمة تقديمي للبقية، «أمارا من الهند، أهلاً بك»، هنا جود ورند من الأردن، ومايا من لبنان، وستيفان من نيوزيلند، ومريم من إيران.

وموزة من الإمارات، توماس من استراليا، وآكيل من ماليزيا، وبلال من باكستان، تعارفنا وقبل أن يبدأ الدرس بلحظات، دخل وابتسم، «اسمي عمر»، «من أين أنت يا عمر؟»، «من مصر، «امممم» في جواز السفر أنا نصف أميركي»، قالها على استحياء وبصوت هامس، وكأن تحديد الانتماء أمر يصعب التعبير عنه بالنسبة لطفل في مثل عمره. بدا الحديث عن الأوطان والثقافات غير لائق في مجتمع تنصهر فيه الاختلافات وتتداخل فيه الهويات، فالإنسان هناك مجرّد إلا من إنسانيته، يميزه عقله وثقافته التي يعكسها للآخرين دون أن تؤذيهم، كانت الانجليزية هي السائدة، والدرس كان حول الحجوم ومقاييسها، إلا أن اللافت في الأمر أن أياً من التلاميذ لم يكن يتحدث بلغته الأم باستثناء ثلاثة فقط، الكندي والاسترالي والنيوزيلندي.

عاد التلاميذ إلى مقاعدهم، وبدأت الحصة بمشاركاتهم الفعالة، ثم انتقلوا إلى حل التمارين، في هذه اللحظات، سادت أحاديث جانبية، تعكس تفاعلاً مميزاً بين تلاميذ الفصل وانسجاماً تفوق على فكرة تعدد الأوطان واللغات، يجلس الإيراني إلى جانب المصري، بمقابلة الزميل الثالث اللبناني، وكلهم مع الإماراتي، بينما يجتمع هناك النيوزيلندي والهندي والسنغافوري، والماليزي بمحاذاة الفلسطيني.

ويبدو أن التلاميذ قد اعتادوا على الأمر فتناسوا الاختلافات، في تلك اللحظات، توجهت إلى أمارا بالسؤال الذي تبادر إلى ذهني أولاً، من هي صديقتك المفضلة في الفصل، «إنها رند»، ولماذا رند بالتحديد، «لا أدري هناك شيء مشترك بيننا»، «ألا تجدين اللغة عائقاً في التواصل؟»، «كلا، نتحدث الإنجليزية، وعلمتني رند بعض المفردات العربية»، على اليمين يجلس ستيفان، «وأنت يا ستيفان، من هو صديقك المفضل؟»، «إنه الجالس هناك، اسمه آكيل».

«وهل تتشاركان المناسبات أو تتبادلان الهدايا؟» «نعم، نحتفل بالأعياد معاً»، «وأنت يا توماس، بأي المناسبات تحتفل؟»، «مثلهما تماماً ولكن المناسبات هنا كثيرة، رأيت الناس يحتفلون برمضان، وقد جربت الصيام، إنه أمر ممتع، الناس في رمضان يشعلون الفوانيس، ذلك أمر مسلٍ»، هناك في الركن الآخر من الفصل، يجلس كريم من لبنان، وبجواره كاميرون من استراليا، استكملنا الحديث حول المناسبات التي يحتفل بها كل منهما، يقول كريم «نحن نحتفل برمضان والأعياد».

«وأنت يا كاميرون، هل تحتفل برمضان مع زميلك؟»، «نعم، ولكني أحرص على عدم تناول الطعام في مكان عام، عائلتي تقول يجب أن نحترم ثقافات الآخرين»، «وماذا يعني احترام ثقافات الآخرين؟» «ألا تصدر منا تصرفات تزعج من حولنا». كلير بيت، معلمة الفصل، تقضي مع تلاميذها ثماني ساعات يومياً. تقول كلير «من خلال خبرتي، يعتبر التعامل مع تلاميذ هذا الفصل، أمراً سهلاً، هم يحترمون بعضهم البعض، حقاً إنه عالم جميل، حيث البراءة مادة الحياة وقبول الآخر جوهر التعامل ولا عجب أن تجد سحنات متباينة لأوطان متعددة.

أمل الفلاسي