إذا كان إخواننا المواطنون قد نسوا أو تناسوا حق جيرانهم عليهم بعد رحيلهم عن الحي الذي كانوا به يسكنون إلى حي آخر، فإننا نذكرهم بحق الجيرة. فالكثير منهم - سامحهم الله - قاموا بتسكين العزاب في منازلهم القديمة التي رحلوا عنها، والمجاورة لمنازل أخرى لا يزال سكانها الأصليون بها ساكنين، غير مكترثين بالأذى الذي يسببونه لجيرانهم، وجل ما يهتمون به هو المبلغ الذي يدخل إلى جيوبهم.
نذكر هؤلاء الإخوان بمقطع من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدرهم». وإذا كان إخواننا المسؤولون قد تقاعسوا عن أداء واجبهم كما يجب لحل الأزمة ذات الدائرة المستمرة الاتساع، والتي نعاني منها منذ فترة طويلة.
فإننا نذكرهم بأنهم مسؤولون، وأنهم بتقاعسهم ينشرون بين المواطنين بل ويشجعون ثقافة لا نحبذها أبداً، وهي ثقافة التقليد الأعمى. فالكثير من المواطنين يرون بأن إخوانا لهم قد قاموا بتأجير منازلهم إلى عزاب واستغنوا من وراء ذلك العمل بفترة قصيرة دون أن يعاقبهم أحد، أو يمنعهم أحد. فلماذا لا يقومون هم بذلك أيضاً؟
أما الإشكالية الكبيرة في تسكين العمال في الأحياء السكنية، فهي أن الخدمات المقدمة للسكان في تلك الأحياء تصبح بعد مضي فترة من الزمن للأغلبية التي تسكن فيها، فيهمش المواطنون المحتاجين للخدمات.
فلو دخلت متجراً قريباً، تجد معظم المواد الاستهلاكية الموجودة على الأرفف تخدم شرائح أخرى غير المواطنين. ولو دخلت مسجداً تجد رواده يزاحمونك بروائحهم. ولن أستبعد أن تتحول خطبة الجمعة بعد حين إلى لغتهم أيضا لتخدمهم دوناً عن المواطنين.
إن إخوانا لنا يعانون من وجود «مستسكنين» في أحيائهم. فبعضهم يخاف على أهله إن تركهم ليذهب في رحلة عمل، وبعضهم يضع هاتفه النقال إلى جانب رأسه عند النوم مخافة حدوث أمر طارئ، وغالبيتهم إن لم يكونوا جميعهم عانوا من هتك حرمات منازلهم بسبب اقتحام العزاب منازلهم ليلا وهم نيام.
فهم غير قادرين على أن يأمنوا على أنفسهم حتى وهم في منازلهم. بالإضافة إلى أن أحياءهم تحولت إلى مواقف للباصات والسيارات التي يصعب معها أن يجد أحدهم موقفا أمام باب منزله. «المال السايب يعلم السرقة».. هكذا يقول المثل. وبالمثل فإن القوانين غير المفعلة تشجع على خرقها.
فالمشكلة ليست في القوانين، فالقوانين موجودة. إنما تكمن المشكلة في عدم تطبيقها كما يجب. فلا ينفع تطبيق القوانين على البعض دونا عن الجميع. كما لا ينفع أن نطلب من المؤجر إخراج السكان المخالفين من منزله دون أن نوقع عليه عقوبات رادعة. فغالبية المؤجرين إن تم كشف أمرهم يقومون بإخراج العمال من منازلهم المؤجرة، ثم يعمدون إلى تسكين غيرهم من العمال.
إذا وصل بعض المواطنين إلى مرحلة عبادة الدرهم، فإن القوانين «الفضفاضة» لن تخدم أحداً. فلا بد من إحكام تطبيق القوانين إن أردنا فعلاً التقليص من حجم المشكلة. نتمنى من المسؤولين أن يلملموا ما تراخى من هممهم لمواجهة وحل المشكلة قبل أن تستفحل أكثر. ولن يهدأ لنا بال إلا بعد أن نلمس كسكان تناقص أعداد «المستسكنين» في الأحياء، كدليل على قيام المسؤولين بواجباتهم كاملة.
ليلى بدري