هي القصص والروايات التي حكت مآثر الزمن الجميل وبطولاته، والتعابير التي مازالت قابعة هناك، في تعرجات الذاكرة ودهاليزها، كل منا له نصيب منها، من عطرها، عبقها وشوقها الذي لا يزال حاضراً فينا، بتفاصيله ومفرداته الخالدة، الجدة حجر الزاوية، والركن الذي لطالما آوت إليه الذكريات واستقت حبرها منه الأحلام والأمنيات، الجدة التي تراكمت فينا بتفاصيلها.

وكانت حاضرة في حكايات الأبناء والأحفاد، أغدقت العطاء وأجزلت الكثير، أكثر مما نستحق، ولم تبخل علينا بخبراتها وسحر ماضيها. ماذا نقول عن ثقافة الجدة؟ وكيف توارت فينا حكاياتها؟ وهل مازال الوفاء حاضراً فينا؟ هنا نعطيها مساحة بيضاء، تشبه قلبها ويديها نطلق لذاكرتنا العنان، ونستحضر مآثر حاضرة غائبة بكل حب وصدق وحنين.

عبدالعزيز المسلم، باحث في التراث، ورئيس إدارة التراث بدائرة الإعلام في الشارقة، يؤكد أن تأثير حكايات الجدة رئيسي في حياة الطفل وتكوينه، لأن المفردات الأولى في التكوين الثقافي للطفل تستمد من الحكاية أو القصة، وذلك لعدم وجود مصادر أخرى يستطيع الطفل إدراكها بحكم صغر سنه في المراحل التأسيسية التي يعيشها الطفل بين أفراد أسرته، ففي مرحلة الطفولة لا يستطيع الطفل استيعاب الحكم والأمثال بطريقة مباشرة.

لذا كان لابد من الحكاية الشعبية العادية، التي تستمد أحداثها من الحياة اليومية، تحاكي مختلف الشرائح وأبطالها أناس عاديون، يستطيع الطفل تخيلهم وفهم مجريات الأحداث التي تدور في حياتهم، وأضاف المسلم: «هناك أكثر من 11 نوعاً من الحكايات التي تصنف حسب محتواها وجدواها.

فهناك حكايات تروى بقصد التسلية، وأخرى تؤرخ سير الأبطال، وهناك قصص خرافية تربوية تهدف إلى ترسيخ المبادئ لدى الطفل وتكوين الثقافة لديه، وتروى هذه الحكايات على اختلاف محتواها بما يتناسب والمرحلة العمرية للطفل، إلى أن يمتلك الطفل القدرة على استيعاب الحكايات رفيعة المستوى ثم السير والملاحم، مثل حكاية اليازية في التراث الشعبي، وسيرة أبو زيد الهلالي.

فالحكاية هي المدرسة الأولى ومن خلالها يمكن خلق شخصية متزنة للطفل، لأن هدفها تربوي ديني في المقام الأول، ولعل أبرز مثال متداول على ذلك، هي حكاية أم الدويس، التي يتداولها الكثيرون ممن لا يدركون هدفها التربوي، ومغزى الحكاية ديني رادع يهدف إلى تحذير الأطفال من مغبة الزنا، وتخلق لديهم الوعي الديني منذ الصغر بضرورة البعد عن المحرمات.

وأكد المسلم أن للحكاية أثراً تربوياً إيجابياً يهدف إلى تعليم الطفل عادات وسلوكيات حميدة، مثل الكرم والشجاعة، كأن توظف هذه القيم في قالب حكائي يبتعد عن التوجيه المباشر، ليكون الأثر أكثر قرباً للأطفال الذين يفضلون تلقي المعلومة في قالب مشوق، كما يجب أن تحمل الحكاية ترميزاً مبطناً من خلال شخصية يقتدي بها الأبطال أو مثل أعلى يمكن أن يستنتج الأطفال من خلاله قيماً تربوية واجتماعية.

غابت الحكاية وحضرت الصورة

وبشأن توظيف الحكاية المروية في الإعلام باستخدام التقنية الحديثة، يقول المسلم «ان التلفزيون استعاض عن الحكاية بالصورة، والذي أفقدها الصبغة الحقيقية في بعض الأحيان، وأضاف عليها لمسات جمالية في أحيان أخرى».

كما لفت إلى تنوع الحكايات واختلافها بحسب المناطق.

فعلى سبيل المثال فإن سكان السواحل، وبحكم السفر والاحتكاك بالثقافات الأخرى، كانت حكاياتهم مرتبطة بالبحر والسفر، وما فيها الشخصيات والأساطير الخرافية، فيلاحظ تأثر أهالي السواحل في بلادنا بالخرافات الفارسية والهندية، لكثرة احتكاكهم بهاتين الثقافتين، أما البدو فبحكم ارتحالهم المستمر تعتبر حكاياتهم موغلة في المحلية ويغلب عليها الجانب التاريخي والحروب والغزوات.

موسوعة تاريخية وطبية

موزة المنصوري، ربة منزل، قضت من طفولتها زمناً غير يسير بصحبة جدتها، تأثرت بها، وتشربت حكمتها، تعبر عن أهمية هذه المرحلة في حياتها وتراكماتها التي مازالت لا تفارقها: «تأثري بجدتي كان قوياً، كنت مشدودة كثيراً لحكاياتها التاريخية، كانت تخبرني عن حروب القبائل قديماً، كنت أنصت باهتمام، وأعتقد أن دروسها التاريخية مازالت راسخة فيّ، فنشأت وأنا أحرص على قراءة كتب تاريخ الجزيرة العربية، وأصول القبائل فيها.

كما لم تكتف جدتي بهذا الدور، فقد رسخت فيّ الإيمان بأهمية الطب الشعبي، فبالرغم من أنها لم تلتحق بأي مدرسة نظامية، إلا أنها كانت تمارس الكيّ وما يسمى (المساح) وهو نوع من المساج العلاجي، وتعود بي الذاكرة في إحدى المرات عندما تعرضت للتسمم، حيث قامت بكي جلدي رغم معارضة بعض الأهل، ولكني شفيت ولله الحمد، كما أكسبتني بعض المهارات العلاجية.

وأعتقد أنها بإيمانها وحكمتها جعلتني أحرص على مجالستها، فكانت صبورة وأثرت فيّ كما لم يستطع أحد، ومازلت أستمد من حياتي معها العديد من الخصال، فلابد للإنسان أن يكون صبوراً ومتروياً لكي يتغلب على الصعاب في حياته، أحمد الله على هذه النعمة، فالجيل الجديد لم يحظ بمجالسة كبار السن.

والتي تسهم بشكل مباشر في إثراء نشأة الطفل الأولى وترشيدها، أوصي نفسي وأمهات المستقبل، بإعطاء أطفالهن الفرصة بمجالسة جداتهم والعيش معهم، لأن تلك العلاقة لها تأثير إيجابي، يرسخ مفاهيم تربوية مهمة، كما يجب الحرص على عدم خلط مفاهيم الطفل وأن يكون دور الوالدين ودور الأجداد مكملاً لا متناقضاً».

خراريف محلية

قد لا يأخذ الكثير منا خراريف الجدة وحكاياتها على محمل الجد، وقد يرويها البعض بهدف التسلية وتمضية الوقت، ولكنها تعتبر من أهم المؤثرات التربوية في تاريخ الشعوب، فكتب كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة ما هي إلا حكايات تناوبت على نقلها الأمم بهدف بث أفكار تربوية وأخلاقية على ألسنة أبطال من البشر أو الحيوانات، أسهمت في تكوين ثقافتها وهويتها. مجتمعنا المحلي جزء من هذه الأمة، وخراريفه المتداولة حملت طابعاً محلياً مستمداً من البيئة الإماراتية، هذه نماذج لقيت رواجاً ما زال يتردد صداه بين أفراد الجيل الجديد.

أم الدويس: شخصية خرافية أوصافها غاية في التفرد والعجب، إنها ـ وكما يصفها الرجال الأوائل من أجمل النساء اللاتي يمكن أن يصادفها رجل. فقد اجتمعت فيها كل مواصفات الجمال والرقة وعذوبة الحديث وشذا العبير المنبعث من نسائم خطواتها، وتعتبر أم دويس كائناً من الجن، إحدى رجليها رجل حمار، والأخرى داس «منجل».

وهناك من يقول ان رجليها تعود لحمار ويديها (ديسان). وبالرغم من جمالها الأخاذ وروعة ملامحها إلا أنها تحمل في وجهها عيني قط، وتروى حكاية أم الدويس لتخويف الأطفال الذكور من مغبة الزنا وضرورة انتهاج مبدأ العفة والطهارة. ويعود سبب تسميتها إلى أداة القتل التي تستخدمها، والتي تشبه المنجل وتسمى في الإمارات (داس)، ودويس هو تصغير داس، وتسمى أحياناً أم داس، أو أم داسين.

بابا دارياه: شخصية خرافية منتشرة عند سكان المدن الساحلية وتحديداً عند أهل البحر، الذين يعملون في الغوص والسفر وصيد الأسماك وقطع وبيع الحجارة المرجانية. وبابا دارياه كلمة فارسية من شقين، بابا وتعني أب ودارياه وتعني البحر.

ويروي أهل البحر أن بابا دارياه وهو كائن من الجن يتسلل إلى مراكب البحارة في الفترة المسائية ويختطف أحد البحارة ليأكله ويعبث في السفينة ليتلفها فتغرق، أما الرواية الأخرى فتقول انه كائن خرافي يعيش في البحر، ويظهر على شكل إنسان مخيف الخلقة، يسمع السكان صياحه في البحر وكأنه غريق فإذا أنقذوه سرق طعامهم أو أتلف مراكبهم.

إثراء للمخزون اللغوي

الاختصاصية النفسية أمل بالهول، تؤكد أن الحكاية تساعد الطفل على تمييز الأشياء والمسميات وتثري مخزونه اللغوي، وتسهل استخدامه للألفاظ بصورة ملائمة وتخلق ظروفاً مواتية للحوار، كما توقظ في الطفل ملكة التعليق على الأشياء وتساعده على القراءة كذلك. ويحبذ اللجوء إلى الحكايات التي تبدأ قصيرة جداً ثم تطول شيئاً فشيئاً، وذلك إذا أردنا أن يكون لدى الطفل نضج في مجال التفكير الرمزي.

وحسب ما ذكرت بالهول فالحكاية تساعد على تقوية الملاحظة لدى الطفل، وكذلك على إثراء لغته، بل والتغلب على سطحية وضحالة تفكيره وخبراته، لاسيما إذا كان موضوعها مرتبطاً بواقع الطفل وتجاربه، وعلى العكس من ذلك، إن كان مضمونها قائماً على الخيال.

وسيلة الحكاية

تستخدم الحكاية كوسيلة في فترة الطفولة الثانية، من 3 ـ 6 سنوات، نظراً لأنها تتطلب استعداداً وقدرة ذهنية علاوة على المهارة الروائية.

علاقة متوارثة

جمال خليفة، رب أسرة عاش طفولته في بيت الجدة، على عكس بقية الأطفال، ، فقد كان يسكن معها، ولا يتوانى في استغلال لحظات التأمل والتعلم، عن سبب تعلقه بجدته يقول جمال: «قد يكون سر العلاقة كامناً في معايشتي للأواصر المتينة التي ربطت والدي بجدتي، فقد كنت أراه دوماً يزورها ويتجاذب أطراف الحديث معها، ويحرص على رضاها، فنشأت على حبها، وسنحت لي الظروف في معايشتها فترة طويلة من طفولتي، فتعلمت منها الكثير من المبادئ الدينية التي مازلت أتذكرها.

ولعل محافظتي على صلاة الفجر نابع من طفولتي التي عشتها معها، حيث كانت حريصة على الاستيقاظ قبل الأذان والمداومة على أذكار طرفي النهار، وكانت تبدي اهتماماً بالغاً برواية الحكايات؛ الخرافية منها والتاريخية، فمازلت أتذكر ما روته عن أحد الأجداد الذي اشترك في حروب الجيش العثماني، كما تعلمت منها صناعة العطور، وخلطات الزينة، مثل «البضاعة»، وهي خلطة عطرية تستخدمها النساء، وتعلمت صناعة بعض الحلويات التقليدية».

ويؤكد خليفة أنه كان للجدة في حياته أثر كبير تمثل في قربه من كبار السن، وحرصه على مجالستهم، ولكنه يرى أن الأطفال في هذا الوقت لا يحرصون على مجالسة الجدة، لأن هناك مغريات كثيرة، فالحكايات أصبحت تقدم لهم بواسطة الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو.

أمل الفلاسي