الملامح الحزينة لا مكان لها هنا مطلقاً.. فهي ليلة العمر.. وهي لحظة الإعلان عن تحقق الحلم الذي طال انتظاره بلقاء المحبوب.. لا مجال للتفكير فيما قد يصادر الفرحة من قلبه، وينقل عدوى الكآبة إلى الآخرين.. ولكن ما الذي يسهم بإطفاء جذوة السعادة في مثل هذه الساعات الحالمة؟
العريس أحمد يروي تجربته بحزن شديد ولم يمض إلا شهر واحد على حفلة عرسه التي احتضنتها صالة فندق كبير في دبي: لقد حاولت خلال الساعتين المخصصتين للحفلة ان أتغلب على كل المنغصات وأبدو سعيداً جداً أمام الضيوف طارداً كل ما يمكن أن يشكل مجرد التفكير فيه تعكيراً للصفو، لاسيما تلك الهواجس المتمثلة في الديون الكبيرة التي ترتبت علي لانجاز الحفل الذي كان فيه الجميع يأكلون ويلهون ويمرحون دون إدراك منهم بأنهم يرقصون على جراحي.
ويضيف ان حفلة عرسه التي استمرت ساعتين كلفته مليون درهم تقريباً، بعضها كان قرضاً بنكياً سيمضي خمسة أعوام في سداده، والبعض الآخر ديون من الأصدقاء قد يخذله بعضهم ويبدأ بمطالبته بالسداد خلال الأشهر القليلة المقبلة، مشيراً إلى أن الراتب الشهري للوظيفة لن يتحمل تلك الالتزامات التي قد تؤدي إلى انقطاع التيارات القلبية، وشح العواطف بين الزوجين.
وتعد صالات الأفراح ـ كما يراها الكثيرون ـ واحدة من أهم مقتضيات تنظيم عرس ناجح ينال رضا العروس ومن ورائها أبويها، وبالتحديد أمها.. فمكان حفلة العرس أضحى في الأعوام الأخيرة واحداً من أهم الركائز التي قد تؤدي إلى إتمام الزواج بنجاح أو فسخ الخطوبة بين الطرفين في حال عدم الاتفاق على المكان الذي قد يراه العريس مكلفاً، وتراه العروس أقل من المستوى المطلوب خاصة إذا ما كانت إحدى صديقاتها المقربات قد تزوجت قريباً في مكان مميز.
إلا ان «صالات الأفراح» تلك عالم يحمل الكثير من الأسرار التي لا يعرف إلا القليل منها لحظة الإعلان عن الزواج.. فأسراره قد تقود الزواج لاحقاً إلى تلاشي الحلم الجميل، وقد تحمل الكثير من خيبات الأمل للعروسين.
تمويل بنكي
حمدان غريب صاحب شركة تنظيم حفلات أعراس.. أشار إلى قضية دخول البنوك إلى الساحة بتمويل عملية تنظيم الأفراح عقب استشراء هذه الظاهرة بين المواطنين والمقيمين وتحول التباهي بها إلى جزء من الثقافة العامة، لافتاً إلى أن عملية التمويل يلجأ إليها العرسان غير القادرين على تلبية متطلبات تنظيم حفل زفاف ترضى عنه الزوجة المقبلة.
وأشار إلى أن مكتبه شهد انهيار مشروعي زواج بسبب عدم قدرة العريسين على دفع التكاليف المبالغ بها من وجهة نظرهما للحفل، ورفضهما اقتراح اللجوء إلى أحد البنوك للتمويل، مؤكداً أن العديد من الحالات كان فيها العريس غير مرتاح للفكرة ولكنه ينصاع للأمر على قاعدة (مكره أخاك لا بطل) لأن الخيار الآخر غاية في المرارة، لافتاً إلى ان عدداً من الأشخاص حجزوا مواعيد حفلات لدى شركته وتقدموا لنيل قروض بنكية بلغت لدى بعضهم نصف مليون درهم.
وأوضح غريب أن (فركشة) مشروع الزواج لا يكون سببها دائماً الخلاف على التكاليف أو على الحصول على القرض من عدمه، فقد تعود إلى التباين في وجهات النظر بين الخطيبين على التفاصيل المتعلقة بالطعام أو بشكل المائدة وترتيبها، أو سيناريو تقديم خواتم الزواج خلال الحفل .
مشيراً إلى ان هذا الأمر كان فعلاً السبب في إنهاء أحد مشاريع الزواج في مكتبه حيث كان العريس يريد أن يتم الأمر بشكل تقليدي، فيما أصرت العروس أن يتم وضع كل خاتم في صدفة بحرية ليجري تبادلهما خلال الحفل لينتهي الأمر بحصول العريس على الخاتمين دون أي طقوس!!
اختبار للمشاعر
جمال وعروسه.. الفرحة كانت ظاهرة على ملامحهما وهما يتجولان في أرجاء صالة العرض التابعة للشركة التي تغص بالعديد من نماذج الكوش والموائد ليتم الاختيار منها لتضمها الصالة في الحفل.. العريس جمال الذي بدا متحفظاً وهو يستمع إلى الأسعار، قال انه لن يقدم على أي تصرف من شأنه مصادرة فرحة خطيبته حتى ولو على حسابه.
حيث سيعمد إلى تقديم طلب الحصول على قرض مالي من أحد البنوك لتمويل العرس، مؤكداً لنا أن الأمر واضح بالنسبة له بشأن المستقبل كونه سيعاني لسداد الديون، معللاً موافقته على كل رغبات خطيبته بأنه طالما الأمر يتعلق بليلة العمر فلا داعي للوقوف مطولاً أمام التفاصيل، خطيبة «جمال» قالت انها لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تقبل بأقل مما شاهدته في حفل صديقتها قبل شهرين .
إحصائيات
سجلت إمارة أبوظبي خلال العام 2006 الرقم الأعلى على مستوى تكاليف الأعراس تلتها دبي ثم مدينة العين ثم إمارات الشارقة ورأس الخيمة ثم الفجيرة لتقع إمارة أم القيوين في ذيل القائمة على صعيد التكاليف. وقد شهد العام نفسه تنظيم 6300 حفلة حظيت إمارة أبوظبي بنصيب الأسد منها باحتضانها 3700 حفلة منها.
وأشارت الإحصائيات إلى ان تكلفة أعراس المواطنين تبدأ من 400 ألف درهم فما فوق فيما تبدأ تكلفة أعراس الوافدين نحو 40 ألف درهم. كما ان العدد الإجمالي لشركات تنظيم الأعراس وصل خلال العام 2006 إلى 400 شركة.
منظم أجنبي
المهندس وسام معروف صاحب شركة «كي ميديا» لتنظيم حفلات الأعراس قال ان هاجس حجز صالات الأفراح لتنظيم حفلات الزواج لم يعد قاصراً على الأسر الكبيرة المقتدرة، بل انتقلت الحمى إلى جميع العائلات . وأشار إلى ان العديد من الأسر الكبيرة باتت تلجأ إلى منظم أجنبي لحفلات عرسهم والذي يقوم بوضع السيناريو للحفل فقط مقابل 15 في المئة من تكاليف الحفل والتي لا تقل عادة عن نصف مليون درهم،
كما تقوم شركة من داخل الدولة بتنفيذ السيناريو المرسوم بتكاليف تتراوح بين المليون والـ 30 مليون درهم، لافتاً إلى ان هذه التكاليف تشمل الكوشة التي يمثل تصميمها وحجمها المرتكز الأول في نجاح الحفل والتي تبدأ تكلفة المتر منها بـ 600 درهم بحيث تصل الكلفة الإجمالية إلى حوالي المليون درهم وقد يتضاعف الرقم عدة مرات.
فيما تشمل التكاليف الأخرى إعداد الموائد والتي تبدأ تكلفتها من 5 آلاف درهم لتصل إلى أضعاف عدة لهذا الرقم، مضيفاً ان التكاليف تتضمن أيضاً بطاقات الدعوة والتي قد يتجاوز سعر البطاقة الواحدة 300 درهم بحيث يبلغ الإجمالي أكثر من 100 ألف درهم.
اختلاف الأذواق
تقول سمر عبد مديرة شركة لتنظيم الأفراح إن أكبر العقبات التي تواجههم في عملهم ترتبط باختلاف الأذواق بين طرفي الحفل.. العريس والعروس وأسرتيهما، حيث تعاني هي وفريقها كثيراً وصولاً للتوفيق بين الأذواق المتناقضة في كثير من الأحيان قبل انطلاق العمل في وضع الترتيبات للحفل، مشيرة إلى أن الطامة الكبرى في هذا الإطار تكمن في اتخاذ أحد الطرفين قراراً بإلغاء الحفل قبل أيام قليلة من الموعد المحدد، حيث تبدأ الجولات المكوكية لرأب الصدع وإعادة تقريب وجهات النظر بينهما، التي لا تنجح دائماً.
وأوضحت أن اختلاف الأذواق يعود إلى دخول عامل المقارنة مع الآخرين والغيرة منهم إلى الساحة، حيث تقوم العروس بإجراء مسح شامل لكافة حفلات الأعراس الخاصة بصديقاتها وقريباتها التي تمت خلال الفترة الماضية للوقوف على كافة المفردات التي تضمنتها، في محاولة من العروس وأسرتها رسم سيناريو مختلف ومتميز لحفلتهم دون أي اعتبار لإمكانيات العريس وما قد يرتبه عليه ذلك من أعباء قد تقصم ظهره.
وتلقي بالشكوك حول احتمالات الفرح الآتي، لافتة إلى أن المقارنة مع الآخرين والغيرة لا ترتبط دائماً بالمرأة، حيث تعاملت مع العديد من الحالات التي كان فيها الرجل هو البطل في هذا المضمار ساعياً إلى تنظيم حفل (ما حصلش) على حد تعبيره بغض النظر عن الوسيلة التي سيحقق بها .
خالد اللوباني

