كان الصياد الأول الذي عرفت، وأقدم من تداولت يداه اللتان اصطبغتا بسمرة الشمس شباك الصيد، وأبعد ما تستطيع ذاكرتي الرجوع إليه هو منظر «الألياخ» والقراقير وأدوات الصيد الأخرى القابعة في مرآب بيته وتلك السيارة الحمراء التي تفوح منها رائحة البحر وخيراته.
وأشياء أخرى تنعش القلب وتوحي بذكرى المكان.. وتحكي قصة التحام بين الإنسان والمكان لا يتجاوز مداها أمتاراً تحجب الشاطئ عن اليابس، وتشهد على فصولها وانتصاراتها.. وهزائمها شمس اتحدت أشعتها بالبحر الذي التهم الأسرار والذكريات وفصول الربيع من العمر، أيُعقل أن تندثر قصص الكفاح تلك في غفلة من العمر؟ هو رمز للبقية من أقرانه.. وامتداد لمهنة الأوائل، واختزال للعديد ممن يشاطرونه حب الصيد وعشق البحر، أبناء الكار الذين عاصروا هذه الأرض في قحطها.. وجدبها وضحوا بزهور عمرهم من أجل أن تينع أزهارها.. فالوطن بالنسبة لهم الأم التي تنحني أمامها كل المطالب لتبقى هي ويفنى كل شيء آخر.
هم من تصدوا للموجة الأولى، ومن لامسوا ارتجافات الشاطئ، وعاصروا تفتح شباكه وظفروا بالصيد الأول، من عانقوا الماء والرمل والسماء، ووضعوا حجراً في زاوية من زوايا الوطن، ارتسمت على جباههم خطوط الزمن ودبغت جلودهم معالم الكفاح، وتلونت سحناتهم بملح البحر.. هرعوا إلى تحقيق الأحلام في زمن بخيل، وصنعوا ماضياً أبيض ناصعاً، واصطادوا الأمنيات في ماءٍ اشتد ملحه، ولكنهم في غفلة من العمر، وأمام سيل من الأسباب، أخفقوا في الاتفاق حول مستقبل المهنة.
اليوم، يبدو أن صيد السمك إلى طريق مسدود، والمهنة إلى تهاوٍ إن لم يتم ترميم الجهود وإصلاح ما بقي من معالم أصيلة تحفظ لهذه الثروة مكانتها، فضاعت طاسة المهنة بين وجود الدخلاء من جهة، وبين تضارب مصالح مختلف الأطراف فيما يتعلق بأمور تنظيم المهنة وسن قوانين تحفظ للصيادين حقوقهم، وترسخ مكانة المهنة من جهة أخرى.- توطين الصيد: السماك علي درويش تحدث إلينا وبقايا مرارة في حلقه وملوحة في لسانه وابتسامة باهتة على شفتيه فقال: لم يعد الصيد كما كان في السابق، الإجراءات ازدادت صعوبة، والحياة أصبحت غالية، والجهود المبذولة لا تفي بحقوق الصيادين ومطالبهم، حتى جمعية الصيادين باتت تسن قوانين ضدنا.
نحن مطالبون بتوطين المهنة وذلك غير منطقي، أعداد المواطنين من الصيادين إلى تضاؤل وأحياناً الظروف الصحية لا تسعفنا للخروج في رحلات الصيد، ولا يوجد أحد من ذوي القرابة ليحل محل النوخذة، فلا بد من الاستعانة بالبحارة الآسيويين في ذلك لكي نستمر.
ويرسم سالم علي خريطة الطريق مشياً على الأقدام يومياً من منزله إلى الضفة الأخرى من الشارع المؤدية إلى مجلس الصيادين على الشاطئ، يتداول أحزان المهنة وما آلت إليه أحوالها.. عبر عن استيائه من عدم وجود اهتمام بالصيادين وقوانين تحفظ حقوقهم، وعلى حد قوله فإن البحر كريم دائماً، ولكن البشر هم من تملّكهم الجشع، فلطالما كان البحارة قديماً أبطالاً في كسب الرزق، عندما كان للصيد شأن واهتمام، أما اليوم فالصيد مهنة الفقراء ومن لا مهنة له.
هناك أيضاً شكاوى عدة رفض أصحابها البوح بمكنون النفس، تناولت جدوى وجود الجمعية التي لا تقوم بدورها كما يجب، وطالت الدور الاحتكاري الذي تمارسه فيما يتعلق بأسعار السمك والعرض والطلب الذي يستوجب اللجوء إلى الجمعية فيما يتعلق بأمور البيع.
بينما رأى الصيادون حقهم الكامل في ممارسة المهنة دون قيود تحد من حريتهم التجارية، إلى جانب ذلك طالبوا بدعم أسعار الديزل، وتوفيره بسعر أقل حتى يتمكنوا من الاستمرار في المهنة التي تعد مصدراً رئيساً للدخل بالنسبة لغالبيتهم.
ورداً على شكاوى الصيادين، أفاد حمد الرحومي مستشار جمعية الصيادين بدبي: «إن الجمعية لا تتمتع بصلاحية تنفيذ مطالب الصيادين، نحن نتفهم شكواهم ونسعى بكل ما أوتينا من دعم لتوفير وضع أفضل للصيادين، وفيما يتعلق بدعم أسعار الديزل فنحن لا نتمتع بالدعم المادي الذي يمكننا من توفير الديزل بأسعار منخفضة، فالجمعية خدمية وليست ربحية، ولكننا سعينا وطالبنا الحكومة بدعم أسعار الديزل تخفيفاً للأعباء المادية الملقاة على عاتق الصيادين، فالصيد يعتمد على المواسم، وربحيته ليست كبيرة».
والجمعية بحاجة إلى مساعٍ جدية نحو تفعيل دورها، لكي تثبت لبعض الجهات التي تتربص بها وتقلل من جهودها في بعث وإحياء دورها أن الجمعية قادرة على خدمة الصيادين متى توفر الدعم، وما يثير الاستغراب فعلاً هو وجود قرار وزاري يعود إلى العام 1981 ينص على تخصيص مبلغ 150 ألف درهم لكل جمعيات الصيادين في الدولة.
ولكن حتى الآن لم يتم تنفيذ القرار، وبالرغم من ذلك فالجمعية ستوقع عقداً مع إحدى الشركات التي ستقوم ببناء مصنع لمعدات الصيد بقيمة مليون ونصف مليون درهم، وسنقوم بتأجير جزء من المستودعات التي سيعود ريعها للجمعية.
حقائق وارقام
مرحلة التأسيس
تأسست جمعية الصيادين في دبي منذ ما يقارب عشرين عاماً بقرار رقم 111 لسنة 1988م الصادر من معالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك، وعدد المؤسسين 55 عضواً برأس مال قدره 160500 درهم وتم طرح الأسهم للاكتتاب وكان العدد 80 مساهماً.
قروض للصيادين
الجمعيةتقوم بإقراض بعض الصيادين ممن ثبت التزامهم في السداد ولفترات محدودة. وسعت الجمعية للتعاقد مع إحدى الشركات الصينية لتزويدها بالقراقير مختلفة الأحجام تلبيةً لطلبات الصيادين وتوفيراً للوقت مع ضمان جودة الصناعة والمواد الخام التي تصنع منها المعدات.
المبادر الاول
حمد الرحومي، مستشار جمعية الصيادين بدبي، يعد من أوائل الذين ساهموا بإحياء دور الجمعية وتفعيل أنشطتها من خلال القرارات والمشاريع المقترحة التي لم تجد في معظمها صدى لدى المسؤولين، يؤكد أن بداياته مع الجمعية بانتخابه مستشاراً قبل ما يقارب 8 سنوات.
أمل الفلاسي


