يختتم المؤلف كتابه بإيضاح الطرق والأساليب التي اعتمدتها إسرائيل لإسدال ستائر التجهيل والنسيان على جرائم التطهير التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين من ناحية وللتأكيد من ناحية أخرى على أن أي مفاوضات حول السلام ينبغي أن يحذف منها كل ما يتعلق بالنكبة، بمعنى أنها يتعين أن تدور حول خمس أراضي فلسطين التاريخية ولا تتناول حقوق الفلسطينيين في العودة إلى بلادهم والتعويض عن الآثار الناجمة عما تعرضوا له من مذابح وكوارث ونهب لحقوقهم وممتلكاتهم، وهو يشير أخيرا إلى سياسة التجميع أو الحشد التي تتبعها إسرائيل اليوم، ومفادها سيطرة إسرائيل على أكبر مساحة من أراضي فلسطين بأقل عدد من الفلسطينيين.
يتناول الكتاب في فصوله الأخيرة تفاصيل المحاولات الصهيونية لإنكار نكبة فلسطين وإبادة ذكرى النكبة وإخفاء معالمها عن عيون العالم. ويستعير المؤلف مدلول كلمة «الإبادة» في اللغة الإنجليزية لكي يلحقه بعنوان الفصل العاشر لشرح مؤامرات إبادة ذكرى النكبة تنصلا من مسؤولية الحركة الصهيونية عن الجرائم التي ارتكبتها في حق الشعب الفلسطيني. ويقتبس المؤلف في صدر ذلك الفصل عبارة من خطبة لوزير شؤون المياه والغابات بجنوب افريقيا ألقاها في لندن يوم 30 نوفمبر 2002 قال فيها: «لقد دمرت إسرائيل أكثر من 700 ألف شجرة زيتون وبرتقال، وهذا تخريب متعمد من دولة تدعي العمل على الحفاظ على البيئة، وهو عمل مروع ومخز»، ثم يشرح مؤلف الكتاب أساليب ما أسماه «إعادة اختراع فلسطين» باشتراك الإدارة الإسرائيلية للأراضي، والجيش، والحكومة الإسرائيلية، في إقامة مستوطنات يهودية جديدة مكان القرى الفلسطينية المدمرة.
وقد رافق انتزاع الأراضي إعادة تسمية تلك القرى بمعاونة خبراء في الحفريات والتوراة تطوعوا للعمل في لجنة رسمية سميت «لجنة التسمية» مهمتها تهويد الجغرافيا الفلسطينية. وتعود تلك اللجنة في الحقيقة إلى عام 1920 عندما بدأت على شكل مجموعة خاصة من الدارسين تولت إطلاق أسماء عبرية على الأراضي والأماكن التي اشتراها اليهود، ثم استمرت في عملها بالنسبة للأراضي والأماكن التي استولى عليها اليهود بالقوة أثناء النكبة، ثم أعيد تشكيلها على يد بن غوريون في يوليو 1949 وتحولت إلى أحد الأقسام الفرعية للصندوق القومي اليهودي. وينفي المؤلف أن يكون عمل لجنة التسمية راجعا إلى أسباب تاريخية كما تدعي، ويرى أن حجة إعادة رسم خريطة «إسرائيل القديمة» غير صحيحة وأن العملية كلها في جوهرها ما هي إلا محاولة علمية وسياسية وعسكرية منهجية لتجريد المنطقة من عروبتها ومن أسمائها وجغرافيتها بل ومن تاريخها قبل كل شيء. وكان الصندوق القومي اليهودي منهمكا في مصادرة الأراضي منذ عام 1950 وحتى الستينات من القرن العشرين، ولكنه لم يتوقف عند ذلك الحد فقد استولى على أراض في منطقة القدس الكبرى بعد حرب 1967 بحجة غياب أصحابها، ثم حولها الصندوق إلى منظمة للمستوطنين تسمى «إيلاد» في أوائل الثمانينات.
ومازالت تلك المنظمة حتى اليوم تعمل على تهويد القدس الشرقية وركزت جهودها على قرية سلوان وأعلنت صراحة أنها تريد تطهيرها من سكانها الفلسطينيين الأصليين. وقد تلقت المنظمة مساعدة من بلدية القدس التي أمرت بتدمير 36 منزلا بحجة منع «البناء والتوسع غير القانوني». وفي بداية القرن الحادي والعشرين واجه الصندوق اليهودي تحديا رئيسيا هدد سيطرته المطلقة، عندما قررت الحكومة الإسرائيلية تطبيق سياسة خصخصة ملكية الأراضي. وتسارع تنفيذ تلك السياسة على يد بنيامين نتانياهو (1996ـ 1999)، وارييل شارون (2001 ـ 2003 ثم من 2003 ـ 2006) ومع ذلك ظلت قبضة الصندوق على الغابات كما هي ونشطت عملية إخفاء معالم النكبة بشكل فعال حتى أصبحت الغابات حلبة صراع ضد اللاجئين الفلسطينيين الراغبين في تخليد ذكرى القرى التي دفنت تحتها والذين واجهوا ادعاء الصندوق اليهودي بأنه لا يوجد تحت أشجار الصنوبر والسرو إلا أرض جدباء إنكارا للمآسي التي تعرضت لها القرى الفلسطينية. وعندما بدأت إسرائيل إنشاء الحدائق على مواقع القرى الفلسطينية المبادة أوكلت عمليات الزراعة واختيار نوع النباتات إلى الصندوق الذي تبنى تحقيق ثلاثة أهداف هي منح البلاد طابعا يهوديا، ومظهرا أوروبيا، ونشر الخضرة.
أسرار الرئات الخضراء
يشير الكتاب إلى أن ما يسمى «الرئات الخضراء» توجد الآن في مواقع كثيرة في إسرائيل لتغطي أنقاض القرى الفلسطينية المدمرة ببيوتها وحقولها التي طرد منها أهلها الأصليون عام 1948.
وبعد قيام الصندوق اليهودي بوضع لافتات في تلك الحدائق، لا يستطيع زوارها أن يدركوا أن أناسا كانوا يعيشون على تلك الأرض هم الفلسطينيون الذين تحولوا الآن إلى لاجئين في الأراضي المحتلة، والذين يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية في إسرائيل، ويقيمون في المخيمات خارج حدود فلسطين.
ويلخص المؤلف مهمة الصندوق القومي اليهودي بقوله إنها إخفاء بقايا فلسطين لا بالأشجار فحسب، بل باختلاق حكايات تنكر وجودها.
وفي موقع الصندوق وفي المتنزهات نفسها تعرض أجهزة صوتية وبصرية متقدمة القصة الصهيونية الرسمية التي تروج الأساطير المألوفة عن حكاية أن فلسطين كانت أرضا «فارغة» و«جرداء» قبل وصول الصهيونية إليها.
وهي الحكاية التي تستخدمها الصهيونية لاستئصال كل تاريخ يدحض ماضيها اليهودي المخترع. وليست تلك الحكايات جزءا من الحاجة إلى سرد قصة مختلفة فحسب، بل صممت لإبادة كل ذاكرة للقرى الفلسطينية التي حلت المتنزهات محلها.
وبهذه الطريقة فإن المعلومات المقدمة في تلك المواقع التابعة للصندوق القومي اليهودي هي نماذج بارزة لآلية الإنكار الإسرائيلية السائدة التي تعمقت جذورها في نفسية الشعب الإسرائيلي والتي أصبحت تعمل من خلال إحلال مساحات التنزه والتسلية للإسرائيليين محل مواقع الجراح والذكريات الفلسطينية.
وبعبارة أخرى فإن ما يقدمه الصندوق القومي اليهودي على أنه «هم بيئي» ما هو إلا المجهود الإسرائيلي الرسمي للتبرؤ من النكبة وإخفاء بشاعة المأساة الفلسطينية. وهكذا تسير الأيدلوجية الصهيونية ومحو الماضي جنبا إلى جنب.
ورغم ذلك المسح المتعمد للتاريخ فإن مصير القرى المدفونة تحت المتنزهات في إسرائيل مازال يرتبط قلبيا مع مستقبل العائلات الفلسطينية التي عاشت هناك ذات يوم والتي مازالت تقيم في مخيمات اللاجئين في غربة «الدياسبورا» والشتات في مجتمعات أخرى بعيدة عن وطنها رغم مرور ستين عاما.
ومازال حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هو مفتاح التسوية العادلة والمستديمة للنزاع في فلسطين، لأن الفلسطينيين الآن ـ بعد ما يقرب من ستين عاما ـ ظلوا صامدين كشعب يطالب بالحصول على حقوقه المشروعة والمعترف بها وفي مقدمتها حقهم في العودة الذي أقرته في الأصل هيئة الأمم المتحدة عام 1948.
أسلوبان لإنكار الماضي
ظل الفلسطينيون يواجهون السياسة الإسرائيلية الرسمية للتنصل ورفض عودتهم. ومن الواضح أن هذه السياسة زادت تشددا حتى اليوم. وهناك عاملان نجحا في إجهاض كل الفرص التي لاحت للتوصل إلى حل منصف للنزاع في فلسطين وهذان العاملان هما: الأيديولوجية الصهيونية المنادية بالتفوق العرقي، وهي التي نبع عنها استمرار إسرائيل في التبرؤ من النكبة، أما العامل الثاني فهو «عملية السلام» التي نرى فيها الافتقار إلى إرادة دولية لنشر العدالة في المنطقة. وهذان العاملان يمثلان العقبتين المؤديتين إلى استمرار مشكلة اللاجئين والوقوف في وجه تحقيق سلام شامل وعادل.
ويخصص مؤلف الكتاب فصلا كاملا يتناول فيه العاملين المشار إليهما وهما التبرؤ من النكبة وعملية السلام. ويلاحظ القارئ هنا أن الدكتور بابه يستخدم كلمة «النكبة» العربية مكتوبة بالحروف اللاتينية في نسخة الكتاب المترجمة إلى الانجليزية.
وهو يستهل الفصل الحادي عشر بالإشارة إلى أن الفلسطينيين الذين فشلت إسرائيل في طردهم خضعوا لنظام عسكري وضعه الصهاينة في أكتوبر 1948، أما أولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة فقد خضعوا لكل من الحكم الأردني والمصري بينما تشردت بقية الشعب الفلسطيني في الدول العربية المجاورة.
وفي منتصف عام 1949 تحركت الأمم المتحدة في محاولة للتعامل مع النتائج المرة لخطة السلام التي وضعتها عام 1947، فكان أول قرارات الأمم المتحدة المضللة إنشاء وكالة خاصة للاجئين الفلسطينيين بدلا من تكليف المنظمة العالمية للاجئين.
وكانت إسرائيل والمنظمات اليهودية الصهيونية في الخارج وراء قرار إبعاد المنظمة العالمية من الصورة بالرغم من أنها هي نفس المؤسسة التي ساعدت اللاجئين اليهود في أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وحرصت المنظمات الصهيونية على منع أي شخص من الربط أو حتى المقارنة بين الحالتين.
يقصد المؤلف حالة اللاجئين اليهود واللاجئين الفلسطينيين. وهكذا ظهرت إلى الوجود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) في عام 1950 وهي لا علاقة لها بعودة اللاجئين بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 في 11 ديسمبر 1948، ولكن مهمتها ببساطة هي توفير الوظائف وتقديم المساعدات المالية لنحو مليون لاجئ فلسطيني انتهى بهم الأمر إلى المخيمات، كذلك كلفت الوكالة ببناء مخيمات دائمة لهم وإنشاء المدارس وفتح مراكز طبية.
وبعبارة أخرى كان القصد من الأونروا عامة الاهتمام بمصالح اللاجئين اليومية. وفي ظل هذه الظروف برزت القومية الفلسطينية التي تركزت على حق العودة ولكنها استهدفت كذلك أن تحل محل الوكالة كمؤسسة تعليمية، وحتى في توفير الخدمات الاجتماعية والطبية. ومع توفر الدافع القوي لدى أبناء الشعب الفلسطيني لتولي أمورهم بأنفسهم ألهبت القومية الوليدة مشاعر الناس وتولد لديهم إحساس جديد بالاتجاه الصحيح والتمسك بالهوية.
وتبلورت العواطف الوطنية عام 1968 في إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية واستندت أيديولوجية قيادتها إلى المطالبة بالإنصاف الأخلاقي والتعويض الفعلي عن الآثام التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في عام 1948.
وقد واجهت منظمة التحرير الفلسطينية، أو أية مجموعة تصدت للقضية الفلسطينية، أسلوبين للإنكار: الأول هو تنصل وسطاء السلام الدوليين بإصرارهم المتواصل على تنحية ـ إن لم يكن استبعاد ـ القضية والهموم الفلسطينية من أية ترتيبات سلمية مستقبلية. والأسلوب الثاني هو رفض الإسرائيليين المطلق الاعتراف بالنكبة وعدم استعدادهم لتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن جرائم التطهير العرقي التي ارتكبوها في عام 1948.
وكان يتم استبعاد مسألة النكبة واللاجئين دائما من أجندة السلام. ومازالت إسرائيل تصر حتى اليوم على إنكار تلك الجرائم. ورغم فشل الأمم المتحدة في عام 1948 ظلت محتفظة ببعض النشاط في السنتين التاليتين للنكبة وحاولت الإمساك بزمام الأمور بالنسبة للقضية الفلسطينية، ولذلك نجدها تقوم بسلسلة من الجهود الدبلوماسية على أمل جلب السلام إلى فلسطين.
وتبلورت تلك الجهود في انعقاد مؤتمر السلام في لوزان بسويسرا في ربيع عام 1949 على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 194 وتركز المؤتمر حول تأكيد حق اللاجئين في العودة غير المشروطة باعتباره ركيزة السلام بالإضافة إلى حل يقضي بتقسيم فلسطين بالتساوي بين الدولتين وتدويل مدينة القدس.
وقد وافق جميع المشتركين في المؤتمر على هذا التناول الشامل ومن بينهم الولايات المتحدة والعالم العربي والفلسطينيون ووزير الخارجية الإسرائيلي موشي شاريت، ولكن الذي فجر ذلك الإنجاز بالعمد هو دافيد بن غوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي استغل أيضا عام الانتخابات في أميركا وبدء الحرب الباردة في أوروبا للقضاء سريعا على أية فرصة للسلام. وهكذا دفنت تلك المحاولة الوحيدة في تاريخ النزاع.
حين تركنا الجسر
بعد ذلك ينتقل مؤلف الكتاب إلى ما يسمى «السلام الأميركي ـ باكس أميركانا» ويشير إلى توقف جهود السلام بعد فشل مؤتمر لوزان في الفترة ما بين 1948 و1967. ولم يستيقظ العالم إلا بعد حرب يونيو 1967 التي انتهت بسيطرة إسرائيل على كل فلسطين زمن الانتداب.
وجاءت المبادرات الأولى من وفود بريطانيا وفرنسا وروسيا في الأمم المتحدة ثم ما لبثت الخيوط أن وقعت في أيدي الأميركيين نتيجة لمحاولة ناجحة من أميركا لاستبعاد الروس من جميع أجندات الشرق الأوسط.
وقد اعتمد الجهد الأميركي تماما على توازن القوى السائد آنذاك طريقا أساسيا لاستكشاف إمكانيات الحل، وهكذا أصبح كل ما تقدمه إسرائيل من مقترحات أساس «السلام الأميركي» الهابط على الشرق الأوسط مهما كان نوعها ومحتواها.
ووضعت إسرائيل خطوطا هادية بعد 1967 مستفيدة بالحقيقة الجغرافية الجديدة التي فرضتها الحرب. وبعد أن يستعرض المؤلف موقف كل من اليسار واليمين الإسرائيلي المتطرف يقول إن المعسكر اليميني المنادي ب«إسرائيل الكبرى» بدأ يقيم المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة وبدا أن معسكر اليسار لا يمانع في بنائها وخاصة في مناطق معينة سرعان ما أصبحت غير قابلة للتفاوض مثل منطقة القدس الكبرى وكتل استيطانية معينة على حدود 1967.
أما المناطق التي عرض معسكر السلام التفاوض بشأنها فقد بدأت تتقلص تدريجيا منذ ذلك العام بينما تزايدت وتيرة بناء المستوطنات عبر السنين. ومنذ اللحظة التي أصبحت فيها الآلة الأميركية مسؤولة عن صياغة السياسة الأميركية في فلسطين تبنت الخطوط الإسرائيلية التي حشدت بعبارات لصالح الجانب الإسرائيلي مثل: «تنازلات» و«تحركات معقولة» و«مواقف مرنة» من جانب إسرائيل.
ويعلق المؤلف عليها بقوله: وهكذا بدأ أول جزء من حركة الكماشة الإسرائيلية، والذي نفذ بالكامل لاستبعاد وجهة النظر الفلسطينية. أما الجزء الثاني من الحركة فهو تصوير وجهة النظر تلك في الغرب على أنها «إرهاب»، و«موقف غير مرن وغير معقول»!!
ويصل بنا الكتاب إلى استبعاد 1948 من عملية السلام، وذلك هو العنوان الذي اختاره المؤلف ليشير إلى ثلاثة خطوط ـ أو مسلمات ـ وضعتها إسرائيل. والخط الأول هو أن أصول النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني تعود إلى عام 1967، وكل ما يحتاجه حل هذا النزاع هو اتفاقية تقرر مستقبل وضع الضفة الغربية وقطاع غزة، بعبارة أخرى قلصت إسرائيل بضربة واحدة أي حل سلمي ليسري على جزء صغير من أراضي فلسطين الأصلية مادامت تلك الأراضي لا تشكل إلا 22% من فلسطين.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن إسرائيل طالبت ـ ومازالت تطالب حتى اليوم - بمزيد من التنازلات عن الأراضي سواء تماشى طلبها مع أسلوب الصفقات التجارية الذي فضلته الولايات المتحدة أو فرضته الخارطة التي توافق عليها المعسكران السياسيان في إسرائيل. أما الخط الثاني ـ أو المسلمة الثانية ـ فهو أن كل شيء منظور تقع عليه العين في تلك المناطق ـ أي الضفة الغربية وقطاع غزة ـ يمكن إخضاعه مرة أخرى إلى عملية تقسيم.
وهي عملية تعتبر واحدا من مفاتيح السلام على حد زعم إسرائيل وتعتبر إسرائيل أن تقسيم المنظور لا يتضمن الأرض فقط بل يشمل البشر والموارد الطبيعية أيضا. والخط الإسرائيلي الثالث هو أن أي شيء حدث قبل 1967، بما في ذلك النكبة والتطهير العرقي، غير قابل للتفاوض على الإطلاق.
والمغزى هنا واضح للغاية ويتمثل في استبعاد مسألة عودة اللاجئين تماما من أجندة السلام، وفي إقصاء حق العودة باعتباره موضوعا لا أمل فيه. وهذا الخط الأخير يساوي نهاية الاحتلال الإسرائيلي بنهاية النزاع، كما ينبع من الخطين السابقين بطبيعة الحال. أما بالنسبة للفلسطينيين من الطبيعي أن يكون عام 1948 هو لب الموضوع وأن يكون تناول الجرائم التي ارتكبت آنذاك هو السبيل الوحيد للتوصل إلى نهاية للنزاع في المنطقة.
وتبنى الأميركيون ما سمي بالخيار الأردني حتى عام 1987 عندما هبت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ديسمبر من ذلك العام ضد القهر والاستعمار الإسرائيلي.
وكان أنور السادات قد طرح في عام 1977 مبادرته على رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني مناحم بيغن. ويذكر إيلان بابه أن الفكرة التي احتوت عليها المبادرة تتلخص في السماح لإسرائيل بالاحتفاظ بسيطرتها على الأراضي الفلسطينية التي تحتلها على أن تسمح للفلسطينيين المقيمين فيها بحكم ذاتي داخلي.
ويرى المؤلف أن الفكرة في جوهرها صيغة أخرى للتقسيم لأنها تترك 80% من فلسطين ملكا مباشرا لإسرائيل، وتسمح بسيطرة غير مباشرة لإسرائيل على البقية البالغة 20%. وقد أطاحت الانتفاضة الأولى بكل أفكار خيار الحكم الذاتي وقادت الأردن إلى الامتناع عن القيام بدور الشريك في أية مفاوضات في المستقبل.
سياسة الحشد
في الصفحات الأخيرة من كتابه يستعرض المؤلف مؤتمرات السلام الفاشلة في كامب دافيد وأوسلو ومدريد ثم خارطة الطريق واتفاق جنيف والتي نعرف نحن العرب الكثير من جوانبها وتفاصيلها، ثم يعود إلى المشكلة الديموغرافية التي تؤرق إسرائيل حتى اليوم، ويشير إلى أن المشكلة ليست جديدة لأن الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر وصفت ما أسمته «المشكلة السكانية» بأنها العقبة الكبرى ضد تحقيق حلمها.
وقال تيودور هرتزل في يومياته عام 1895 «سوف نسعى إلى طرد السكان من الفقراء عبر الحدود دون أن يلاحظ أحد، وندبر لهم وظائف في دول الترانزيت ولكننا لن نسمح لهم بأي وظيفة في دولتنا» وفي ديسمبر 1947 كان بن غوريون صريحا في قوله: «لن تكون هناك دولة يهودية مستقرة وقوية مادامت فيها أغلبية يهودية لا تتجاوز 60% فقط» وهدد بن غوريون بأن إسرائيل سوف تطبق أشد الإجراءات قسوة لمواجهة هذه المشكلة، ثم عاد فأعلن بعد التطهير العرقي في العام التالي (1948) أن عدد الفلسطينيين تم إنقاصه إلى أقل من 20% من مجموع سكان الدولة اليهودية الجديدة.
وفي ديسمبر 2003 أعاد بنيامين ن نياهو «تدوير» تحذيرات بن غوريون بقوله: «إذا شكل العرب في إسرائيل 40% من السكان فسوف تكون تلك نهاية الدولة اليهودية» ثم أضاف قوله: «ولكن نسبة 20% أيضا مشكلة، وإذا تحولت العلاقة مع هذه النسبة إلى مشكلة فإن على الدولة تطبيق أشد الإجراءات».
وخلال تاريخ إسرائيل القصير زادت عدد سكانها بموجتي هجرة ضخمتين وصل عدد كل منهما إلى نحو مليون مهاجر في عام 1949 ثم في عام 1980 وما تلاها، وأدى ذلك إلى إنقاص نسبة الفلسطينيين إلى أقل من 20% من مجموع سكانها إذا لم نضف سكان المناطق المحتلة.
وهنا يبدو جوهر مشكلة السياسيين في الوقت الحاضر. وقبل أن نستطرد مع حديث المؤلف نذكّر قراءنا بالتصريح الذي أدلى به إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل الحالي والذي أصر فيه على أن تكون إسرائيل يهودية بحتة.
ورغم صدور هذا التصريح بعد فترة طويلة من صدور الكتاب الذي نستعرضه، نجد أن مؤلفه يعرج في حديثه إلى أولمرت قائلا إنه يعرف أن عدد الفلسطينيين سوف يفوق عدد اليهود خلال خمسة عشر عاما إذا قررت إسرائيل البقاء في الأراضي المحتلة وأصبح سكانها رسميا جزءا من تعداد سكانها.
ويضيف المؤلف قوله: لهذا اختار أولمرت ما أسماه بالعبرية «هيتكانسوت» ومعناها «التجميع» أو «الحشد» وهي سياسة تستهدف ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية ولكن مع ترك بعض مناطق فلسطين كثيفة السكان خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية ويرى الدكتور إيلان بابه أن هذه الكلمة التي أطلقها أولمرت على سياسته هي جوهر الصهيونية ومفادها: الاستيلاء على أكبر جزء من فلسطين بأقل عدد ممكن من الفلسطينيين.
وهذه السياسة تفسر الطريق الثعباني بطول 670 كيلو مترا من الكونكريت الذي يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار، والأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة المأهولة بالحراس، والتي تشكل في محملها حائط العزل العنصري، كما تفسر سياسة التجميع أيضا لماذا يمتد الحائط إلى أبعد من ضعف طول الخط الأخضر الذي يبلغ 315 كيلو مترا.
وحتى لو نجحت حكومة أولمرت وأخذت عملية «الدمج» مجراها فسوف يظل عدد ضخم من السكان الفلسطينيين داخل الثمانية والثمانين في المئة من فلسطين التي يتصور أولمرت أنه سوف يبني عليها دولته اليهودية المستقرة. ويبدو أن علماء الديموغرافيا الإسرائيليين من اليسار واليمين يتفقون على أن التوازن الديموغرافي لن يظل ثابتا نظرا لمعدل المواليد المرتفع بين الفلسطينيين بالمقارنة بالمعدل الإسرائيلي.
واليوم بدأ أهم الصحافيين والأكاديميين والسياسيين في إسرائيل يتحررون من القيود المبكرة، عندما يتحدثون عن المشكلة الديموغرافية. وفي الخارج وبعد 11 سبتمبر نجحت إسرائيل في دفع الغرب إلى فهم من أسمتهم «العرب في إسرائيل»، والفلسطينيين في الأراضي المحتلة، باعتبارهم «مسلمين» وبذلك استدرجت الدول الغربية إلى دعم سياساتها الديموغرافية أيضا وخاصة باعتمادها الأكبر على وزارة الدفاع الأميركية.
ففي يوم 2 فبراير 2003 صدرت صحيفة معاريف وهي تحمل العنوان الرئيسي التالي: «ربع الأطفال في إسرائيل مسلمون»!! وأخذ الموضوع في وصف ذلك بأنه «قنبلة إسرائيل الزمنية». وبذلك لم تعد الزيادة الطبيعية للسكان الفلسطينيين توصف بأنها مشكلة، ولكن أصبحت توصف بأنها «خطر» يتهدد إسرائيل.
إضاءة
يشير الكتاب إلى أن ما يسمى «الرئات الخضراء» توجد الآن في مواقع كثيرة في إسرائيل لتغطي أنقاض القرى الفلسطينية المدمرة ببيوتها وحقولها التي طرد منها أهلها الأصليون عام 1948. وبعد قيام الصندوق اليهودي بوضع لافتات في تلك الحدائق، لا يستطيع زوارها أن يدركوا أن أناسا كانوا يعيشون على تلك الأرض هم الفلسطينيون الذين تحولوا الآن إلى لاجئين في الأراضي المحتلة، والذين يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية في إسرائيل، ويقيمون في المخيمات خارج حدود فلسطين. ويلخص المؤلف مهمة الصندوق القومي اليهودي بقوله إنها إخفاء بقايا فلسطين لا بالأشجار فحسب، بل باختلاق حكايات تنكر وجودها.
عرض ومناقشة: صلاح عويس



