طوال أسبوع كامل سيطر الموضوع السوري بخليط غريب من جس النبض للسلام من ناحية وصور المفاعل النووي من ناحية أخرى على العناوين الرئيسية في إسرائيل. ورويداً رويداً تراجع الاهتمام بالمفاعل المدمر لمصلحة الرسائل التي بعث بها أولمرت للأسد، بواسطة الأتراك، حول استعداده للتنازل عن هضبة الجولان مقابل السلام ـ ولمصلحة الرسائل التي وصلت من دمشق. وأفاق الساسة من نعاس عطلة عيد الفصح.
وبشكل غريب، فإن أصوات المعارضين للمفاوضات مع سوريا من بين صفوف أعضاء حزب كديما، حزب رئيس الحكومة، كانت أكثر من تلك التي خرجت من بين صفوف المعارضة. فالوزراء وأعضاء الكنيست من كديما، الذين يدرس بعضهم من الآن مستقبله في الكنيست المقبلة، ربما ثانية في صفوف الليكود المعزز، أطلقوا تصريحات ضد المفاوضات.
ولم يتجند أحد من قادة كديما للدفاع عن زعيم الحزب ورئيس الحكومة. ففي الأساس تبدو فرص تحقيق اختراق حقيقي في مواجهة السوريين ضئيلة، فلماذا الانبطاح على الجدار، ولمصلحة من؟ وقد التزم أولمرت ورجال ديوانه الصمت. لم يؤكدوا ولم ينفوا. وتركوا الأتراك والسوريين يطلقون العناوين في فضاء الإعلام وسمحوا للصحف بالغوص فيها.
كما أن زعيم الليكود بنيامين نتنياهو التزم الصمت. ورغم كل هزة سلام أولية، أيا كان ترددها وضعفها، تثير فيه إحساسا بأن كل شيء ضده، وأن كل شيء منتهي ومبرم، أو «صفقة مبرمة» حسب تعبيره، فإنه لم يركض لمشاجرة أولمرت خلال عطلة العيد.
وانتظر نتنياهو الفرصة المناسبة، نافذة فرص بين عيد الفصح، وذكرى المحرقة، يوم الذكرى وعيد الاستقلال الستون. وسقطت اللحظة المناسبة لديه في عيد الميمونة المغربي، وهو العيد الذي يبشر على الدوام بعودة الليكود إلى عجلة قيادة السلطة. ومصحوبا بأعضاء كتلته، الذين ارتدوا بزات بيضاء، بما في ذلك سيلفان شالوم وليمور ليفنات، وزع نتنياهو تصريحه لوسائل الإعلام: جملة واحدة، مدروسة ومتوقعة، اتهم فيها أولمرت بالطفولية السياسية وباستعداده المتسرع لتقديم تنازلات خطيرة.
وخلال دقائق انتهت فترة الصمت التي فرضها على نفسه ديوان رئاسة الحكومة. وقبل أن تخمد أصداء قول نتنياهو وصل رد أولمرت للصحافيين. وكان الرد أيضا متوقعا وذكر الجميع بالملياردير اليهودي الأميركي رون لاودر، الذي أدار اتصالات مع السوريين باسم رئيس الحكومة نتنياهو، وكذلك تنازلات نتنياهو لعرفات حين «وصفه بالصديق في مزرعة واي ريفر» حسب رد نتنياهو).
وكان واضحا أن الرد صيغ مسبقاً، وكان مطبوعا بانتظار اللحظة المناسبة. فأولمرت ينتظر الشجار مع نتنياهو. وهو يتوق لهكذا شجارات. فكل شجار من هذا النوع يعزز مكانته كرئيس معسكر الوسط اليسار، على حساب إيهود باراك.
وفي محيط أولمرت لا أحد ينفي أن هذا كان كمينا مخططا له. وقالوا، كنا نعرف أن نتنياهو سوف يقول عنا أننا عديمو المسؤولية. لقد كنا بانتظاره، وذكرنا الجمهور بمن أدار قبلنا المفاوضات مع السوريين، ومن الذي أعطى لعرفات أراض. فهو يعمل بشكل منهجي على إخفاء كل ما دار هنا عندما كان رئيسا للحكومة، ولكننا سوف نذكره بذلك في كل فرصة.
وحسب رجال أولمرت، فإن البلاغ الذي اختاروا توجيهه للصحافة، كان معتدلاً، نسبيا مقارنة باقتراحات أخرى أثيرت للرد. فما الذي اقترح مثلا للرد على نتنياهو؟ «لقد سبق لبائع الأثاث وبائع المواد التجميلية أن باع الجولان». لكنهم تراجعوا عن رد كهذا. وقالوا لأنفسهم لم نصل بعد إلى معركة الانتخابات. ولا ينبغي تبذير الذخائر. لكل أمر وقته، ولكل تشهير بنتنياهو موعده.
وكل من يسمع نتنياهو مؤخرا يتحدث في المداولات الداخلية التي يعقدها، يخرج بانطباع أنه يتعامل بجدية غير قليلة مع المسار السوري. بل أنه بدا كمن يقر بخسارة المسار الفلسطيني ويستعد للمعركة مع أولمرت حول هضبة الجولان. كما أنه لا يستبعد فكرة أن يحاول أولمرت عرض «رزمة» اتفاقين، فلسطيني وسوري، والركض نحو الانتخابات كنبي للسلام. ومثل هذا السيناريو قد يعرض للخطر عودة الليكود للسلطة. ويكفي أن تنتقل عدة مقاعد في الكنيست من تيار لتيار حتى لا يغدو مفيدا له أن يكون رئيس الحزب الأكبر. وباختصار فإن نتنياهو يشعر بالضغط.
وكان هناك من سأله: ما هي خططك، وأي أمل تعرضه على المواطنين، فليس بالوسع أن تكرر القول، لا، لا، لا في مواجهة كل شيء. ولا يعتقد نتنياهو أنه يقول لا لكل شيء. فهو ليس السيد لا لا. إنه على استعداد للتحادث مع أبو مازن ومع سلام فياض حول مشاريع اقتصادية لرفاهية الشعب الفلسطيني، ولكن ليس حول التسوية الدائمة. فهم ليسوا شركاء في هذه التسوية. إنهم أضعف من أن يكونوا مؤهلين لتوفير البضاعة. فليقتل أبو مازن حماسيا واحدا، وليبدأ بتعليم شعبه على السلام، وبعد ذلك نرى.
ويبدي نتنياهو تقديره بأن أولمرت بدأ يستوعب ما يفهمه الجميع: ان كل بضاعة يجلبها من الفلسطينيين، لن تكون جذابة. وأن أحدا لن يشتريها. وستثير الهزء حتى في معسكر رئيس الحكومة نفسه. لذلك فإن أولمرت يقفز إلى حلبة أخرى. وكل ذلك ينبع أساسا من غريزة البقاء. وهو يقول أن كل شيء عند أولمرت ألاعيب سياسية.
ويشهد نتنياهو على نفسه بأنه بالتأكيد يؤيد السلام مع سوريا، ولكن مع بقاء إسرائيل في الجولان. وهذا ما قاله للسوريين عام 1998، بواسطة لاودر، وهو ما سيقوله لهم في جولته المقبلة معهم، إذا جرت جولة كهذه. وسوريا اليوم تختلف عن سوريا 1998-1999. في الماضي لم تكن سوريا واقعة بين براثن إيران، ولم تحاول إنتاج قنبلة نووية. وحاليا تدير سوريا حربا فعالة ضدنا.
لذلك نحن ملزمون بالبقاء في هضبة الجولان. فالاتفاقات السياسية ينبغي أن تعزز الأمن، وليس أن تضعفه. وإذا كان السوريون يريدون التفاوض، فليتوقفوا عن محاربتنا. وعندما يخوض جيشان حربا ويريدان الحديث عن السلام، فإنهما يكفان أولا عن محاربة بعضهما. بل أن شمعون بيريز قال أن إسرائيل لن تسلم الهضبة السورية للإيرانيين.
وإذا تم انتخابه رئيسا للحكومة فإن هذا ما سيبلغه للسوريين. إنه سوف يبحث عن خطوات لبناء الثقة من أجل تشجيعهم على تحسين طرقهم، ولكن حينها أيضا لن يوهمهم. وفي كل مرة من جديد يبدي ذهوله من افتقاد إسرائيل القدرة على إدارة مفاوضات. وتحديدا حين تعيش سوريا في عزلة عالمية، وتكون محشورة في الزاوية، تتقدم إسرائيل نحوها وتساعدها في التخلص من الحصار.
ويقول رجال نتنياهو إن أولمرت لا يملك أجندة. إنه يحاول خلق أجندة. وبتذاكي محامي يعبد لنفسه الطريق يوما بعد يوم، بين الألاعيب وجداول الأعمال المصطنعة. ويقولون هناك أيضا أن الوضع سوف ينفجر في وجهه ذات يوم. وحينها سيضجر الجمهور.
وأولمرت باق، وفق نتنياهو، لأنه يشتري الناس في الائتلاف. ولديه سيارات فاخرة للجميع. ولكن لا حصانة له إلى الأبد. فرئيس الحكومة يخلق واقعا افتراضيا لدى الفلسطينيين، لا ينجح في تسويقه، فينتقل لخلق واقع افتراضي لدى السوريين، وربما في الوقت المناسب، سيجمع كل شيء في رزمة واحدة ويركض بها نحو الانتخابات.
ولا ريب عند نتنياهو أن الانتخابات ستجري حول اتفاق مع الفلسطينيين أو حول شيء ما غير واضح مع السوريين. وهذه مصلحة واضحة لأولمرت. وحتى إذا صادقت الحكومة على الاتفاقات التي سيبرمها أولمرت، فإن نتنياهو كرئيس للحكومة لن يكون ملزما بتنفيذها. فالانتخابات ستغدو استفتاء شعبيا، حول اتفاق أو اتفاقات. إن فوز نتنياهو بمثابة رفض من جانب الشعب لاقتراحات أولمرت.
ـ عن «هآرتس» 2 مايو